توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم
قوله: ((إِنِّي مَجْهُودٌ))، يعني: أصابني الجهد والجوع.
وقوله: ((ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أُخْرَى، فَقَالَتْ مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى قُلْنَ كُلُّهُنَّ مِثْلَ ذَلِكَ: لَا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا عِنْدِي إِلَّا مَاءٌ)): فيه: دليل على ما أصاب النبي ﷺ من الشدة والجوع، وهو رسول الله أفضل الخلق، ولكن الله يبتليه ليصبر، فيعظم له الأجر، ويكون قدوةً للناس، صابرًا عند الشدة والبأساء والضرَّاء، شاكرًا عند النعمة والرخاء.
وقوله: ((وَأَرِيهِ أَنَّا نَأْكُلُ، فَإِذَا أَهْوَى لِيَأْكُلَ فَقُومِي إِلَى السِّرَاجِ حَتَّى تُطْفِئِيهِ، قَالَ: فَقَعَدُوا وَأَكَلَ الضَّيْفُ)): الظاهر: أن هذا كان قبل الحجاب، فصار الجو مظلمًا، فذهبت كأنها تُصلِحُه، فأطفأته، فصار الضيف يأكل، ورفعا أيديهما حتى شبع الضيف.
وقوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾، يعني: ولو كان بهم مجاعة يُقَدِّمون غيرهم عليهم، وهم الأنصار ﵃.
وفي هذا الحديث: إثبات صفة العَجَب لله ﵎ في قوله: ((قَدْ عَجِبَ اللَّهُ مِنْ صَنِيعِكُمَا بِضَيْفِكُمَا اللَّيْلَةَ)): وهي ثابتة لله، كما يليق بجلاله، كسائر الصفات، فهو لا يُماثِل أحدًا في صفاته سبحانه، ومثل صفة العجب الضحكُ، والاستواء، والعُلُو، والرضا، والسخط، والعلم، والقدرة، والسمع.
والقاعدة عند أهل العلم: أنَّ الله تعالى تُثبَت له الصفات التي أثبتها لنفسه، أو أثبتها له رسوله ﷺ من غير تكييفٍ ولا تمثيل، ولا تحريف ولا تعطيل.
ومما يدل على العَجَب- أيضًا-: قول الله تعالى في سورة الصافات في إحدى القراءات: ((بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ)) [الصافات: ١٢] بضم تاء ((عَجِبْتُ)) (١)، وهي في قراءة حفص: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ بفتح تاء عجبتَ، ومنه حديث: ((إِنَّ اللَّهَ ﷿ لَيَعْجَبُ مِنَ الشَّابِّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوَةٌ)) (٢).