أحكام القرآن للطحاوي
١٧٣٩ - قَدْ حَدَّثَنَا يُونُسُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ، عَنْ عُبَادَةَ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَجْلِسٍ، فَقَالَ: " تُبَايِعُونِي عَلَى أَلا تُشْرِكُوا بِاللهِ ﷿ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، فَمَنْ وَفَّى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ ﷿، وَمَنْ أَصَابَ مِنْهَا شَيْئًا فَعُوقِبَ عَلَيْهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَستَرَهُ اللهُ ﷿ فَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ ﷿، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ " فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الزِّنَى وَالسَّرِقَةَ إِذَا كَانَا مِنْ رَجُلٍ، ثُمَّ لَقِيَ اللهَ ﷿ قَبْلَ أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ فِيهِمَا مَا أَوْجَبَ اللهُ ﷿ فِيهِمَا، فَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ ﷿، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ وَهَذَا الْحُكْمُ جَارٍ فِي الزِّنَى كُلَّمَا كَانَ مِنَ الزَّانِي، وَفِي السَّرِقَةِ كُلَّمَا كَانَ مِنَ السَّارِقِ، وَلَمْ يَرْتَفِعِ الْحَدُّ الَّذِي هُوَ كَفَّارَةٌ عَنْ مُصِيبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كُلَّمَا أَصَابَهُ، وَلَمْ يَفْتَرِقْ حُكْمُهُ فِي إِصَابَتِهِ
إِيَّاهُ عَائِدًا، وَحُكْمُهُ فِي إِصَابَتِهِ إِيَّاهُ مُبْتَدِئًا، فَعَقَلْنَا بِذَلِكَ أَنَّ سَائِرَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي قَدْ جُعِلَتْ لَهَا كَفَّارَاتٌ أَنَّهُ كَذَلِكَ، وَأَنَّ حُكْمَ الْكَفَّارَاتِ الْوَاجِبَةِ عَلَى مُصِيبِيهَا فِي الِابْتِدَاءِ هُوَ حُكْمٌ لَازِمٌ لَهُمْ، وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ فِي إِصَابَتِهِمْ إِيَّاهَا فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَقَوْلُهُ ﷿: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ﴾ ، فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى مَعْنَى: فَيَنْتَقِمُ مِنْهُ إِنْ شَاءَ أَنْ يَنْتَقِمَ مِنْهُ، لِأَنَّ أَحْكَامَ الْوَعِيدِ بِالْعُقُوبَاتِ كَذَلِكَ كَانَتْ عِنْدَ الْعَرَبِ، إِنْ شَاءَ الَّذِي أَوْعَدَ بِهَا أَنْجَزَهَا، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهَا، فَلَمْ يُنْجِزْهَا فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَفِي حَدِيثِ عُبَادَةَ الَّذِي ذَكَرْتَ الشِّرْكُ، فَتَكُونُ الْعُقُوبَةُ عَلَى الشِّرْكِ كَفَّارَةٌ مِنَ الشِّرْكِ قِيلَ لَهُ: لَيْسَتِ الْعُقُوبَةُ عَلَى الشِّرْكِ كَفَّارَةً لِلشِّرْكِ، وَقَوْلُهُ ﷺ: " مَنْ أَصَابَ مِنْهَا شَيْئًا "، لَيْسَ عَلَى كُلِّ مَا فِيهَا، إِنَّمَا هُوَ عَلَى بَعْضِ مَا