تخطَّ إلى المحتوى

زاد المعاد في هدي خير العباد - ت الرسالة الثاني فصل في موت أبي طالب وموت خديجة والخروج إلى الطائف

زاد المعاد في هدي خير العباد - ت الرسالة الثاني

ابن القيم

الصفحة المطبوعة ٣/ ٢٨

كُفْرِهِمْ، وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الشِّعْبِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: بَعْدَ عَشَرَةِ أَعْوَامٍ مِنَ الْمَبْعَثِ، وَمَاتَ أبو طالب بَعْدَ ذَلِكَ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَمَاتَتْ خديجة بَعْدَهُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ.

[فَصْلٌ في مَوْتَ أَبِي طَالِبٍ وَمَوْتَ خَدِيجَةَ والْخُرُوجُ إِلَى الطَّائِفِ]

فَصْلٌ

فَلَمَّا نُقِضَتِ الصَّحِيفَةُ وَافَقَ مَوْتَ أَبِي طَالِبٍ وَمَوْتَ خَدِيجَةَ، وَبَيْنَهُمَا يَسِيرٌ، فَاشْتَدَّ الْبَلَاءُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ سُفَهَاءِ قَوْمِهِ، وَتَجَرّءُوا عَلَيْهِ فَكَاشَفُوهُ بِالْأَذَى، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الطَّائِفِ رَجَاءَ أَنْ يُؤْوُوهُ وَيَنْصُرُوهُ عَلَى قَوْمِهِ وَيَمْنَعُوهُ مِنْهُمْ، وَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ ﷿ فَلَمْ يَرَ مَنْ يُؤْوِي، وَلَمْ يَرَ نَاصِرًا، وَآذَوْهُ مَعَ ذَلِكَ أَشَدَّ الْأَذَى، وَنَالُوا مِنْهُ مَا لَمْ يَنَلْهُ قَوْمُهُ، وَكَانَ مَعَهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ مَوْلَاهُ، فَأَقَامَ بَيْنَهُمْ عَشَرَةَ أَيَّامٍ لَا يَدَعُ أَحَدًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ إِلَّا جَاءَهُ وَكَلَّمَهُ، فَقَالُوا: اخْرُجْ مِنْ بَلَدِنَا، وَأَغْرَوْا بِهِ سُفَهَاءَهُمْ، فَوَقَفُوا لَهُ سِمَاطَيْنِ، وَجَعَلُوا يَرْمُونَهُ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى دَمِيَتْ قَدَمَاهُ وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ يَقِيهِ بِنَفْسِهِ حَتَّى أَصَابَهُ شِجَاجٌ فِي رَأْسِهِ، فَانْصَرَفَ رَاجِعًا مِنَ الطَّائِفِ إِلَى مَكَّةَ مَحْزُونًا، وَفِي مَرْجِعِهِ ذَلِكَ دَعَا بِالدُّعَاءِ الْمَشْهُورِ دُعَاءِ الطَّائِفِ: ( «اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي، وَقِلَّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، أَنْتَ رَبُّ الْمُسْتَضْعَفِينَ وَأَنْتَ رَبِّي، إِلَى مَنْ تَكِلُنِي؟ إِلَى بَعِيدٍ يَتَجَهَّمُنِي، أَوْ إِلَى عَدُوٍّ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي، إِنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ غَضَبٌ عَلَيَّ فَلَا أُبَالِي، غَيْرَ أَنَّ عَافِيَتَكَ هِيَ أَوْسَعُ لِي، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ، وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، أَنْ يَحِلَّ عَلَيَّ غَضَبُكَ أَوْ أَنْ يَنْزِلَ بِي سَخَطُكَ، لَكَ الْعُتْبَى حَتَّى تَرْضَى، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ.