السيرة الحلبية = إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون
كنت أظن هذا كائنا، حتى إذا صليت الصبح شددت علي ثيابي ودخلت على حفصة وهي تبكي، فقلت: أطلقكن رسول الله ﷺ؟ قالت: لا أدري هو هذا معتزلا في هذه المشربة، أي لأن نساءه ﷺ لما اجتمعن عليه في طلب النفقة أقسم أن لا يدخل عليهن شهرا من شدة موجدته عليهنّ، قال عمر رضي الله تعالى عنه: لأقولنّ من الكلام شيئا أضحك به النبي ﷺ فأتيت غلاما له أسود، فقلت: استأذن لعمر، فدخل الغلام ثم خرج، فقال: قد ذكرتك له فصمت، فانطلقت حتى أتيت المسجد فجلست قليلا ثم غلبني ما أجد، فأتيت الغلام فقلت استأذن لعمر فدخل ثم خرج إليّ، فقال:
قد ذكرتك له فصمت، فلما كان في المرة الرابعة وقال لي مثل ذلك وليت مدبرا فإذا الغلام يدعوني، فقال: أدخل، قد أذن لك، فدخلت فسلمت على رسول الله ﷺ فإذا هو متكىء على زمل حصير قد أثر في جنبه، فقلت: أطلقت يا رسول الله نساءك؟
قال: فرفع رأسه إليّ وقال لا فقلت: الله أكبر، ثم قلت: كنا معاشر قريش بمكة نغلب على النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساءهم، فطفق نساؤنا يتعلمن منهن، فكلمت فلانة يعني زوجته فراجعتني فأنكرت عليها، فقالت تنكر عليّ أن أراجعك؟ فو الله إن أزواج النبي ﷺ لتراجعنه، وتهجره إحداهنّ اليوم إلى الليل، فقلت: قد خاب من فعل ذلك وخسر، أفتأمن إحداهنّ أن يغضب الله عليها بغضب زوجها، فتبسم رسول الله ﷺ، فذهبت إلى حفصة فقلت: أتراجعن رسول الله ﷺ؟
فقالت: نعم، وتهجره إحدانا اليوم إلى الليل. فقلت: قد خاب من فعل ذلك منكن وخسر، أتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها بغضب رسول الله ﷺ؟ لا تراجعي رسول الله ﷺ ولا تسألينه شيئا، وسليني ما بدا لك، ولا يغرنك إن كانت جارتك أحب إلى رسول الله ﷺ منك؟ يعني عائشة، فتبسم أخرى، فقلت، استأنس يا رسول الله قال نعم، فجلست وقلت: يا رسول الله قد أثر في جنبك زمل هذا الحصير وفارس والروم قد وسع عليهم وهم لا يعبدون الله، فاستوى جالسا وقال: أفي شك أنت يا بن الخطاب؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا، فقلت: أستغفر الله يا رسول الله فلما مضى تسع وعشرون يوما أنزل الله تعالى عليه أن يخبر نساءه في قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ [الأحزاب: الآية ٢٨] الآية، فنزل ودخل على عائشة رضي الله تعالى عنها، فقالت له: يا رسول الله أقسمت أن لا تدخل علينا شهرا وقد دخلت وقد مضى تسع وعشرون يوما أعددهن، قال: إن الشهر تسع وعشرون، وفي رواية: يكون هكذا وهكذا وهكذا، يشير بأصابع يديه، وفي الثالثة حبس إبهامه ثم قال: يا عائشة إني ذاكر لك أمرا فلا عليك أن لا تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك. فقالت: وما هو يا رسول الله، فقرأ: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ [الأحزاب: الآية ٢٨] الآية. قلت، أفي هذا أستأمر أبوي، فإني أريد الله، ورسوله والدار الآخرة. وفي رواية «أفيك يا رسول الله أستشير أبوي؟» بل أريد الله ورسوله والدار الآخرة، قالت: ثم قلت له: لا تخبر امرأة من