Skip to content

السيرة الحلبية = إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون الجزء الثالث حجة الوداع

السيرة الحلبية = إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون

نور الدين الحلبي

Printed page ٣/ ٣٧٣

وقد رأى ربيعة قبل ذلك في المنام كأنه في أرض معشبة مخصبة وخرج منها إلى أرض مجدبة كالحة. ورأى أبا بكر رضي الله تعالى عنه في جامعة من حديد عند سرير إلى الحشر، فقص ذلك على أبي بكر رضي الله تعالى عنه فقال إن صدقت رؤياك تخرج من الإيمان إلى الكفر، وأما أنا فإن ذلك ديني جمع لي في أشد الناس إلى يوم الحشر.

وبعثت إليه ﷺ أم الفضل زوجة العباس أم عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهم لبنا في قدح شربه أمام الناس، فعلموا أنه ﷺ: لم يكن صائما ذلك اليوم الذي هو التاسع، أي لأنهم تماروا عندها في صيامه ﷺ ذلك اليوم الذي هو يوم عرفة.

وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن رسول الله ﷺ: «أنه نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة» أي وبهذا استدل أئمتنا أنه لا يستحب للحاج صوم يوم عرفة الذي هو التاسع من ذي الحجة.

فلما تم ﷺ خطبته أمر بلالا فأذن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئا فصلاهما مجموعتين في وقت الظهر بأذان واحد وإقامتين: أي لأنه ﷺ لم يقم بمكة إقامة تقطع السفر لأنه دخلها في اليوم الرابع وخرج يوم الثامن، فقد صلى بها إحدى وعشرين صلاة من أول ظهر يوم الرابع إلى عصر الثامن يقصر تلك الصلوات، فالجمع للسفر كما يقول إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه كالجمهور لا للنسك كما يقول غيرهم.

أقول: وفيه أن فقهاءنا ذكروا أنه ﷺ لم يصل الجمعة في حجة الوداع مع عزمه على الإقامة أياما: أي تقطع السفر لعدم استيطانه.

ويردّ بأنه من أين أنه ﷺ عزم على الإقامة بمكة المدة التي تقطع السفر هذه دعوى تحتاج إلى دليل. وأيضا عزمه على ذلك إنما هو بعد عوده إلى مكة بعد فراغه من الوقوف والرمي، ولا ينقطع سفره إلا بوصوله إلى مكة.

والأولى استدلال فقهائنا على وجوب الاستيطان في إقامة الجمعة بعد أمره ﷺ لأهل مكة بإقامة الجمعة مع أنهم غير مسافرين لعدم استيطانهم للمحل. فما ذهب إليه إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه من أن الجمع للسفر لا للنسك في محله.

وقد رأيت أن مالكا رضي الله تعالى عنه سأل أبا يوسف وقد كان حج مع هارون الرشيد وذلك بحضرة الرشيد، فقال له: ما تقول في صلاة النبي ﷺ بعرفات يوم الجمعة، أصلى جمعة أم صلى ظهرا مقصورة؟ فقال أبو يوسف: صلى جمعة، لأنه خطب لها قبل الصلاة، فقال مالك: أخطأت، لأنه لو وقف يوم السبت لخطب قبل الصلاة، فقال أبو يوسف: ما الذي صلى؟ فقال مالك: صلى الظهر مقصورة، لأنه أسرّ بالقراءة فصوبه هارون في احتجاجه على أبي يوسف، والله أعلم.