السيرة الحلبية = إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون
تكلمكم، وسألوه ﷺ عن فرائض الله فأخبرهم بها ﷺ، وأمرهم بالوفاء بالعهد، وأداء الأمانة، وحسن الجوار لمن جاوروا، وأن لا يظلموا أحدا، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، ثم ودعوه ﷺ بعد أيام وأجازهم: أي أعطى كل واحد اثنتي عشرة أوقية ونشا، ورجعوا إلى قومهم فلم يحلوا عقدة حتى هدموا عم أنس.
ومنها وفد بني محارب. وفد على رسول الله ﷺ عشرة من بني محارب وفيهم خزيمة بن سواد، وكانوا أغلظ العرب وأشدهم على رسول الله ﷺ أيام عرضه نفسه على القبائل في المواسم يدعوهم إلى الله تعالى، فجلسوا عنده يوما من الظهر إلى العصر، وأدام ﷺ النظر إلى رجل منهم، وقال له: قد رأيتك، فقال له ذلك الرجل:
إي والله لقد رأيتني، وكلمتك بأقبح الكلام، ورددتك بأقبح الرد بعكاظ وأنت تطوف على الناس. فقال رسول الله ﷺ: نعم، ثم قال: يا رسول الله ما كان في أصصحابي أشد عليك يومئذ ولا أبعد عن الإسلام مني، فأحمد الله الذي جاء بي حتى صدقت بك، ولقد مات أولئك النفر الذين كانوا معي على دينهم، فقال رسول الله ﷺ: إن هذه القلوب بيد الله ﷿. فقال: يا رسول الله استغفر لي من مراجعتي إياك، فقال رسول الله ﷺ: إن هذا الإسلام يجب ما قبله: يعني الكفر، أي مسح رسول الله ﷺ وجه خزيمة بن سواد فصارت له غرة بيضاء، وأجازهم كما يجيز الوفود، ثم انصرفوا إلى أهليهم.
ومنها وفد صداء: حيّ من عرب اليمن. وفد على رسول الله ﷺ خمسة عشر رجلا من صداء.
وسبب ذلك أنه ﷺ هيأ بعثا أربعمائة من المسلمين استعمل عليهم قيس بن سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنهم، ودفع له لواء أبيض، ودفع إليه راية سوداء، وأمره أن يطأ ناحية من اليمن كان فيها صداء، فقدم على رسول الله ﷺ رجل منهم، وعلم بالجيش، فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله جئتك وافدا على من ورائي، فاردد الجيش، وأنا لك بقومي، فرد رسول الله ﷺ قيس بن سعد رضي الله تعالى عنهما وخرج الصدائي إلى قومه، فقدم على رسول الله ﷺ بأولئك القوم، فقال سعد بن عبادة: يا رسول الله دعهم ينزلون عليّ، فنزلوا عليه فحباهم بالموحدة:
أعطاهم وأكرمهم وكساهم، ثم ذهب بهم إلى النبي ﷺ: فبايعوه على الإسلام، وقالوا له: نحن لك على من وراءنا من قومنا فرجعوا إلى قومهم ففشا فيهم الإسلام، فوافى رسول الله ﷺ منهم مائة رجل في حجة الوداع، وسمي ذلك الرجل الذي كان سببا في رد الجيش ومجيء الوفد بزياد بن الحارث الصدائي، أي وذكر زياد أنه ﷺ قال له: يا أخا صداء إنك لمطاع في قومك، قال: فقلت بلى من منّ الله ﷿ ومنّ رسوله. قال وفي رواية: بل الله هداهم للإسلام، فقال رسول الله ﷺ: أفلا