السيرة الحلبية = إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون
وفي بعضها، أنه خرج إلى المصلى بعد أن وعد الناس يوما يخرج فيه ونصب له منبرا واستسقى وأجيبت دعوته ونزل المطر وجاء إليه ﷺ أعرابي. وقال له: يا رسول الله أتيناك وما لنا بعير يئط، ولا صغير يغط، ثم أنشد شعرا يقول فيه:
وليس لنا إلا إليك فرارنا ... وأين فرار الناس إلا إلى الرسل
فقام ﷺ يجر رداءه حتى صعد المنبر فدعا فسقي، ثم قال ﷺ: لو كان أبو طالب حيا لقرت عيناه، من ينشدنا قوله؟ فقام علي كرم الله وجهه فقال: يا رسول الله كأنك تريد قوله:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل
الأبيات. فقال ﷺ: «أجل» .
وفي رواية: «لما جاءه ﷺ المسلمون: وقالوا: يا رسول الله، قحط المطر، ويبس الشجر، وهلكت المواشي وأسنت الناس، فاستسق لنا ربك، فخرج ﷺ والناس معه يمشون بالسكينة والوقار حتى أتوا المصلى، فتقدم ﷺ فصلى بهم ركعتين يجهر فيهما بالقراءة وكان يقرأ في العيدين والاستسقاء في الركعة الأولى بفاتحة الكتاب: وسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) [الأعلى: الآية ١] ، وفي الركعة الثانية بفاتحة الكتاب وهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ (١) [الغاشية: الآية ١] ، فلما قضى صلاته استقبل الناس بوجهه وقلب رداءه لكي ينقلب القحط إلى الخصب، ثم جثى ﷺ على ركبتيه ورفع يديه وكبر تكبيرة، ثم قال: اللهم اسقنا، وأغثنا غيثا مغيثا رحيما واسعا وجدا، طبقا مغدقا عاما، هنيئا مريئا مربعا مرتعا وابلا، سائلا مسيلا، مجللا دائما، دارّا نافعا، غير ضار، عاجلا غير واب غيثا. اللهم تحيي به البلاد، وتغيث به العباد، وتجعله بلاغا للحاضر منا والباد. اللهم أنزل في أرضنا زينتها، وأنزل علينا سكنها. اللهم أنزل علينا من السماء ماء طهورا، تحيي به بلدة ميتة واسعة، مما خلقت أنعاما وأناسيّ كثيرا، فما برحوا حتى أقبل قزع من السحاب فالتأم بعضه إلى بعض. ثم أمطرت سبعة أيام لا تقلع عن المدينة، فأتاه ﷺ المسلمون فقالوا: قد غرقت الأرض، وتهدمت البيوت، وانقطعت السبل، فادع لله يصرفها عنا، فضحك رسول الله ﷺ وهو على المنبر حتى بدت نواجذه، تعجبا لسرعة ملالة ابن آدم. ثم رفع يديه، ثم قال: اللهم حوالينا ولا علينا. اللهم على رؤوس الظراب، ومنبت الشجر، وبطون الأودية، وظهور الآكام، فتقشعت عن المدينة ثم قال ﷺ: لله در أبي طالب لو كان حيا قرت عيناه، من الذي ينشدنا قوله؟ فقام علي كرم الله وجهه فقال: يا رسول الله كأنك أردت قوله فقال الأبيات.
ومنها وفد بني أسد. وفد على رسول الله ﷺ رهط من بني أسد، منهم ضرار بن الأزور، ووابصة بن معبد وطلحة بن عبد الله الذي ادعى النبوة بعد ذلك، ثم أسلم وحسن إسلامه، ومنهم معاذة بن عبد الله بن خلف.