Skip to content

السيرة الحلبية = إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون غزوة مؤتة

السيرة الحلبية = إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون

نور الدين الحلبي

Printed page ٣/ ١٠١

أنهما جناحان كجناح الطائر كما يسبق للوهم. أي لأن الصورة الآدمية أشرف الصور، أي ولا يضر في ذلك وصفهما بأنهما من ياقوت ولا كونهما مضمخين بالدم، وصار المسلمون يحثون في وجوههم التراب ويقولون لهم يا فرارون، فررتم في سبيل الله، فصار رسول الله ﷺ يقول: بل هم الكرارون. وفي لفظ: إنهم قالوا: يا رسول الله نحن الفارون، فقال لهم رسول الله ﷺ: بل أنتم العكارون: أي الكرارون، وهو دليل على أنه كان بينهم محاجزة وترك للقتال.

وعن بعض الصحابة: لما قتل ابن رواحة ﵁ انهزم المسلمون ﵃ أسوأ هزيمة ثم تراجعوا، ولقد لقوا من أهل المدينة لما رجعوا شرا، حتى إن الرجل يجيء إلى أهل بيته يدق عليهم بابه، فيأبون يفتحون له ويقولون له: هلا تقدمت مع أصحابك؟ فقتلت، حتى إن نفرا من الصحابة ﵃ جلسوا في بيوتهم استحياء، كلما خرج واحد منهم صاحوا به، وصار رسول الله ﷺ يرسل إليهم رجلا رجلا. ثم يقول: أنتم الكرارون في سبيل الله، ويعنون بالفرار انحيازهم مع خالد ﵁ حين انحاز العدو عنهم؛ وإنما انحاز خالد ﵁ لترتيبه العسكر، وقد مدح النبي ﷺ خالدا ﵁ على ذلك وأثنى عليه. وقتل رجل من المسلمين رجلا من الروم، فأراد أخذ سلبه فمنعه خالد ﵁، فلما أخبر النبي ﷺ بذلك قال لخالد: ما منعك أن تعطيه سلبه؟ قال: استكثرته عليه، فقال رسول الله ﷺ: ادفعه له.

وكان عوف بن مالك ﵁ كلم خالدا في دفع ذلك لذلك الرجل قبل أن يقدموا على رسول الله ﷺ، فلما مر خالد بعوف بن مالك أطلق لسانه في خالد ﵁ وقال له: أما ذكرت لك ذلك ونحوه؟، فغضب ﷺ وقال لخالد: لا تعطه يا خالد، هل أنتم تاركون لي أمرائي؟.

وفيه أن القاتل استحق السلب فكيف منعه. وأجيب بأنه يجوز أن يكون دفعه له بعد، وإنما أخر دفعه تعزيزا لعوف ﵁ حين أطلق لسانه في خالد، وانتهك حرمته، وتطييبا لقلب خالد ﵁ للمصلحة في إكرام الأمراء، وهذا السياق لا يدل على أن الجيش كله ﵃ قيل لهم الفرارون وإنما كان لطائفة من الجيش فروا إلى المدينة لما رأوا من كثرة العدو فليتأمل.

وعد هذه غزوة تبعت فيه الأصل، والحق أنها ليست من الغزوات بل من السرايا الآتي ذكرها لأنه ﷺ لم يكن فيها، والله أعلم.