السيرة الحلبية = إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون
وفيه أن طلب رد المهور للأزواج كان واجبا في مدة العهد خاصة كما علمت، وأنزل الله تعالى وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ [الممتحنة: الآية ١٠] أي نهى المؤمنين عن البقاء على نكاح المشركات فطلق الصحابة ﵃ كل امرأة كافرة في نكاحهم، حتى إن عمر بن الخطاب ﵁ كان له امرأتان فطلقهما يومئذ، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان والأخرى صفوان بن أمية، فكان ﷺ في مدة العهد يرد الرجال ولا يرد النساء، أي بعد امتحانهنّ. فقد جاء إلى النبي ﷺ وهو بالمدينة أبو بصير ﵁، وكان ممن حبس بمكة، وكتب في رده أزهر بن عوف ﵁ فإنه أسلم بعد ذلك وهو من الطلقاء، وهو عم عبد الرحمن بن عوف والأخنس بن شريق ﵁ فإنه أسلم بعد ذلك كتابا، وبعث به رجلا من بني عامر يقال له خنيس ومعه مولى يهديه الطريق، فقدما على رسول الله ﷺ بالكتاب، فقرأه أبيّ ﵁ على رسول الله ﷺ، فإذا فيه: قد عرفت ما شارطناك عليه من رد من قدم عليك من أصحابنا، فابعث إلينا بصاحبنا، فقال النبي ﷺ: يا أبا بصير إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما علمت ولا يصلح لنا في ديننا الغدر، وإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا، فانطلق إلى قومك، قال: يا رسول الله أتردني إلى المشركين يفتنونني عن ديني، قال ﷺ: يا أبا بصير انطلق فإن الله سيجعل لك ولمن حولك من المستضعفين فرجا ومخرجا، فانطلق معهما، أي وصار المسلمون ﵃ يقولون له: الرجل يكون خيرا من ألف رجل يغرونه بالذين معه حتى إذا كانوا بذي الحليفة جلس ﵁ إلى جدار ومعه صاحباه، فقال أبو بصير ﵁ لأحد صاحبيه ومعه سيفه: أصارم سيفك هذا يا أخا بني عامر؟ قال: نعم انظر إليه إن شئت، فاستله أبو بصير ﵁، ثم علاه به حتى قتله.
وفي لفظ: إن الرجل هو الذي سل سيفه ثم هزه فقال: لأضربن بسيفي هذا في الأوس والخزرج يوما إلى الليل؛ فقال له أبو بصير: أو صارم سيفك هذا؟ قال: نعم فقال: ناولنيه أنظر إليه فناوله؛ فلما قبض عليه ضربه به حتى برد؛ وقيل تناوله بفيه وصاحبه نائم فقطع إساره أي كتافه؛ ثم ضربه به حتى برد؛ فطلب المولى فخرج المولى سريعا حتى أتى رسول الله ﷺ وهو جالس في المسجد، فلما رآه رسول الله ﷺ والحصى يطنّ تحت قدميه. وفي لفظ: والحصى يطير من تحت قدميه من شدة عدوه، أي وأبو بصير في أثره حتى أزعجه؛ قال ﷺ: إن هذا الرجل قد رأى فزعا؛ وفي لفظ قد رأى هذا ذعرا؛ فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ وهو جالس في المسجد، قال له: ويحك ما لك؟ قال قتل صاحبكم صاحبي وأفلت منه ولم أكد وإني لمقتول واستغاث برسول الله ﷺ فأمنه؛ فإذا أبو بصير ﵁ أناخ بعير العامري بباب المسجد؛ ودخل متوشحا السيف، ووثب على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله وفت ذمتك وأدى الله عنك، أسلمتني بيد القوم وقد امتنعت بديني أن أفتن فيه أو