السيرة الحلبية = إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون
ويربحوا إليكم في الأمان، وقد رأوا منكم ما كرهوا، وأظفركم الله عليهم، وردكم الله تعالى سالمين مأجورين، فهو أعظم الفتوح، أنسيتم يوم أحد إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ [آل عمران: الآية ١٥٣] وأنا أدعوكم في أخراكم ونسيتم يوم الأحزاب إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) [الأحزاب: الآية ١٠] فقال المسلمون: صدق الله ورسوله، فهو أعظم الفتوح، والله يا نبي الله ما فكرنا فيما فكرت فيه، ولأنت أعلم بالله وبأمره منا، وقال له بعض الصحابة: أي وهو عمر بن الخطاب ﵁: يا رسول الله ألم تقل إنك تدخل مكة آمنا؟ قال: بلى، أفقلت لكم من عامي هذا؟ قالوا لا، قال: فهو كما قال جبريل ﵇، فإنكم تأتونه وتطوفون به.
أقول: فيه أنه تقدم أن ذلك كان عن رؤيا لا عن وحي، إلا أن يقال: يجوز أن يكون جاءه ﷺ الوحي بمثل ما رأى ثم أخبرهم بذلك والله أعلم.
وفي لفظ: لما رأى رسول الله ﷺ وهو بالحديبية أنه يدخل مكة هو وأصحابه آمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين وأخبرهم بذلك؛ فلما صدوا قالوا له: أين رؤياك يا رسول الله؟ فأنزل الله تعالى لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ [الفتح: الآية ٢٧] الآية.
أقول: ولا يخالف هذا ما تقدّم أن الرؤيا المذكورة كانت بالمدينة، وأنها السبب الحامل على الإحرام بالعمرة، لجواز تكرر الرؤيا، وأن الأولى اقترن بها الوحي.
وذكر بعضهم أنه ﷺ لما دخل مكة عام القضية وحلق رأسه، قال: هذا الذي وعدتكم، فلما كان يوم الفتح وأخذ المفتاح قال: ادعو لي عمر بن الخطاب فقال:
هذا الذي قلت لكم.
ولما كان في حجة الوداع ووقف ﷺ بعرفة فقال لعمر بن الخطاب ﵁: هذا الذي قلت لكم، وفيه أنه لم يتقدم في الرؤيا أنه ﷺ يأخذ المفتاح، ولا أن يقف بعرفة. إلا أن يقال: يجوز أن يكون ﷺ أخبر بذلك بعد الرؤيا، وأن المراد من ذلك مجرد دخول مكة؛ والله أعلم.
وأصابهم مطر في الحديبية لم يبلّ أسفل نعالهم، أي ليلا، فنادى منادي رسول الله ﷺ: أن صلوا في رحالكم.
أي ووقع مثل ذلك في حنين أنه أصابهم مثله، فأمر ﷺ مناديه، أن ينادي: ألا صلوا في رحالكم.
وقال ﷺ صبيحة ليلة الحديبية لما صلى بهم «أتدرون ما قال ربكم؟ قالوا: الله