فيض الباري على صحيح البخاري
رِحَالنا، قال: فلا تَفْعَلا، إذ أتيتما مسجد جماعةٍ .... الخ. (يعنى بهر بهى نهين) يعني: لا تفعلوا وإن كنتم صلَّيتم في بيوتكم، فالفاء في هذه المواضع كلِّها في محل الإِنكار.
والجواب الصواب عندي: أنه لا تمسُّكَ للشافعية في هذه الأحاديث، لأن النبيَّ ﷺ إذا سَبَقَ منه الإنكار مرةً دَلَّ على أنه لم يَرْضَ به. نعم لم يَتَعاقَبْ عليه فيما بعد، وأي حاجةٍ إلى التعاقُب إذا أنكر عليه مرةً، وهذا كما رُوِيَ عن عائشةَ ﵂ عند النَّسائي، في قصة حجة الوداع: «إني صُمْتُ يا رسول الله، وأفطرتُ، وأتممتُ فَقَصَرْتُ، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ أحسنتِ يا عائشة» ﵂، مع أنه لم يَثْبُت الإتمام عن النبيِّ ﷺ وخلفائه في السفر ولو مرةً، حتَّى تأوَّل فيه عثمان ﵁ وأتمَّ، فهذا نحو مسامحةٍ وإغماضٍ عمَّا صَدَرَ منها، وهي لا تعلم المسألة، لا أنه استحسانٌ منه وإباحةٌ لِمَا فَعَلَتْهُ.
وأصرح حُجَّةً لنا في عدم قضاء سنة الفجر بعد الفرض ما أخرجه أبو داود في باب المسح على الخفين، وفيه: «فلما سلَّم - عبد الرحمن بن عَوْف - قام النبيُّ ﷺ فصلَّى الركعة التي سُبِقَ بها، ولم يَزِدْ عليها شيئًا. اهـ. والظاهر أنه أراد نفي السنة، لا نفي سجدة السهو وإن بوَّب به أبو داود. وحينئذٍ تأيَّد شرح قوله: «فلا إذن» من جهة صاحب الشرع نفسه.
٦٦٣ - قوله: (يُقَال له مالك بن بُحَيْنَة) وهو خطأٌ قطعًا، لأن بُحَيْنَة ليست أم مالك، بل هي زوجته، وليس مالكٌ صدابيًا، فإنه لم يُسْلِم، ومات في الجاهلية، نعم ابنه عبد الله صحابي، وبُحَيْنَة أمه، فينبغي أن يُرْسَم الابن بالألف، ويُقْرأ مالك بالتنوين هكذا: عبد الله بن مالكِ ابن بُحَيْنَة، ليكون مالك أبوه، وبُحَيْنَة أمه، وهذا هو الصواب، وكان المناسب للبخاري أن يُنَبِّهَ عليه.
٣٩ - باب حَدِّ الْمَرِيضِ أَنْ يَشْهَدَ الْجَمَاعَةَ
٦٦٤ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ قَالَ حَدَّثَنِى أَبِى قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ الأَسْوَدُ قَالَ كُنَّا عِنْدَ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - فَذَكَرْنَا الْمُوَاظَبَةَ عَلَى الصَّلَاةِ وَالتَّعْظِيمَ لَهَا، قَالَتْ لَمَّا مَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَرَضَهُ الَّذِى مَاتَ فِيهِ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَأُذِّنَ، فَقَالَ «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ». فَقِيلَ لَهُ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ، إِذَا قَامَ فِى مَقَامِكَ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّىَ بِالنَّاسِ، وَأَعَادَ فَأَعَادُوا لَهُ، فَأَعَادَ الثَّالِثَةَ فَقَالَ «إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ». فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ فَصَلَّى، فَوَجَدَ النَّبِىُّ ﷺ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ كَأَنِّى أَنْظُرُ رِجْلَيْهِ تَخُطَّانِ مِنَ الْوَجَعِ، فَأَرَادَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَتَأَخَّرَ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِىُّ ﷺ أَنْ مَكَانَكَ، ثُمَّ أُتِىَ بِهِ حَتَّى جَلَسَ إِلَى جَنْبِهِ. قِيلَ لِلأَعْمَشِ وَكَانَ النَّبِىُّ ﷺ يُصَلِّى وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّى بِصَلَاتِهِ، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِى بَكْرٍ فَقَالَ بِرَأْسِهِ نَعَمْ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ شُعْبَةَ عَنِ الأَعْمَشِ بَعْضَهُ. وَزَادَ أَبُو مُعَاوِيَةَ جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِى بَكْرٍ فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّى قَائِمًا. أطرافه ١٩٨، ٦٦٥، ٦٧٩، ٦٨٣، ٦٨٧، ٧١٢، ٧١٣، ٧١٦، ٢٥٨٨، ٣٠٩٩، ٣٣٨٤، ٤٤٤٢، ٤٤٤٥، ٥٧١٤، ٧٣٠٣ - تحفة ١٥٩٤٥