فيض الباري على صحيح البخاري
استشكلَ المصنِّفُ النجاةَ مع ارتكاب الزنا، والسرقة، حمله على أن المرادَ من الزنا والسرقةِ الذي قد تاب منه، فإذا تابَ منه قبل الموت، وقال الكلمة، فذلك يَدْخُلُ الجنةَ. والذي تبيَّن لي أن الحديثَ سِيقَ لبيان أن المؤمنَ العاصي يَدْخُلُ الجنة آخرًا، وإنما عبَّر كذلك في اللفظ، لأنَّ الكافرَ لا يَدْخُلُها أبدًا حتى يَلِجَ الجملُ في سَمِّ الخياط. وإذا كان المؤمنُ العاصي دَاخِلَها، ولو بعدالتعذيب يسيرًا، صحَّ الإِطلاقُ في التعبير. فالدخولُ في الجنة، أو تحريمُ النار عليه، كلُّه بالنظر إلى حال الكافر. ولمَّا تعلَّم الناسُ المسألةَ في المؤمن المُسْرِفِ، وتقرَّرت في أذهانهم، صارت عندهم كالبديهيّ، فَزَعَمُوا أنَّها لا تحتاج إلى تنبيهٍ، مع أنه لو لم يُعَلِّمنا لَمَا عَلِمْنَا: ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]. فهذا هو المرادُ عندي، والله تعالى أعلم بالصواب.
١٤ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «مَا أُحِبُّ أَنَّ لِى مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا»
٦٤٤٤ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ قَالَ أَبُو ذَرٍّ كُنْتُ أَمْشِى مَعَ النَّبِىِّ ﷺ فِى حَرَّةِ الْمَدِينَةِ فَاسْتَقْبَلَنَا أُحُدٌ فَقَالَ «يَا أَبَا ذَرٍّ». قُلْتُ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ «مَا يَسُرُّنِى أَنَّ عِنْدِى مِثْلَ أُحُدٍ هَذَا ذَهَبًا، تَمْضِى عَلَىَّ ثَالِثَةٌ وَعِنْدِى مِنْهُ دِينَارٌ، إِلَاّ شَيْئًا أُرْصِدُهُ لِدَيْنٍ، إِلَاّ أَنْ أَقُولَ بِهِ فِى عِبَادِ اللَّهِ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا». عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَمِنْ خَلْفِهِ. ثُمَّ مَشَى فَقَالَ «إِنَّ الأَكْثَرِينَ هُمُ الأَقَلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَاّ مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا - عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَمِنْ خَلْفِهِ - وَقَلِيلٌ مَا هُمْ». ثُمَّ قَالَ لِى «مَكَانَكَ لَا تَبْرَحْ حَتَّى آتِيَكَ». ثُمَّ انْطَلَقَ فِى سَوَادِ اللَّيْلِ حَتَّى تَوَارَى فَسَمِعْتُ صَوْتًا قَدِ ارْتَفَعَ، فَتَخَوَّفْتُ أَنْ يَكُونَ قَدْ عَرَضَ لِلنَّبِىِّ ﷺ فَأَرَدْتُ أَنْ آتِيَهُ فَذَكَرْتُ قَوْلَهُ لِى «لَا تَبْرَحْ حَتَّى آتِيَكَ» فَلَمْ أَبْرَحْ حَتَّى أَتَانِى، قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتًا تَخَوَّفْتُ، فَذَكَرْتُ لَهُ فَقَالَ «وَهَلْ سَمِعْتَهُ». قُلْتُ نَعَمْ. قَالَ «ذَاكَ جِبْرِيلُ أَتَانِى فَقَالَ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ». قُلْتُ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قَالَ «وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ». أطرافه ١٢٣٧، ١٤٠٨، ٢٣٨٨، ٣٢٢٢، ٥٨٢٧، ٦٢٦٨، ٦٤٤٣، ٧٤٨٧ تحفة ١١٩١٥ - ١١٨/ ٨
٦٤٤٥ - حَدَّثَنِى أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبٍ حَدَّثَنَا أَبِى عَنْ يُونُسَ. وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَوْ كَانَ لِى مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا لَسَرَّنِى أَنْ لَا تَمُرَّ عَلَىَّ ثَلَاثُ لَيَالٍ وَعِنْدِى مِنْهُ شَىْءٌ، إِلَاّ شَيْئًا أُرْصِدُهُ لِدَيْنٍ». طرفاه ٢٣٨٩، ٧٢٢٨ - تحفة
١٤١١٦ ١٥ - باب الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ
وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥)﴾ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ