فيض الباري على صحيح البخاري
رؤيا الأنبياء
ولا شك أنه وحي وإن احتاج إلى التعبير، ولذا لما رأى إبراهيم ﵊ أنه يَذبح ابنه تَشمَّر للذبح، وكان من شأنه كما قصَّه الله ﷾، ولولا أنها وحي لما اجترأ على مثل هذا. واعلم أن أهل الكفر كانوا يذبحون أولادهم تقرُّبًا إلى الله، ولم يكن هذا في دين سماوي قط. وتأويل رؤياه ما وقع منه فحسب، وبه تمّ الاختبار والابتلاء، ولم يكن الذبح مرادًا من أول الأمر، فلما صدَّقه وامتثل به وأجراه على ظاهره، ناداه ربه: ﴿أنْ يا إبراهيمُ قد صدَّقتَ الرؤيا﴾ [الصافات: ١٠٥]، ثم فداه بكَبْشٍ، فإن شاكلةَ وحي الرؤيا على خلاف شاكلة الوحي الصريح، فإنه قد يكون أُنموذجًا يكفي لصدقتها في الخارج نحو من الوجود، لا كما قال الشيخ الأكبر: إن إبراهيم ﵊ كانَ مأمورًا بذبح الكَبْش من أول الأمر، ولكنه شدَّد على نفسه، وأراد أن لا يُؤَول رؤياه، بل يُجربها على ظاهرها، فكشف الله سبحانه عن مراده: أنه ذَبْحُ الكَبْش.
ومعنى قوله: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَآ﴾ عنده أي أمضيتها على ظاهرها، مع أن المراد منها ما كان هو ذبح الكَبش، دون ذبح الولد. فإن الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام، أقرب فهمًا لهذه الأمور من الأولياء والصواب أنها تحتاج إلى التعبير كرؤيا يوسف ﵊ وكرؤيا نبينا ﷺ في دار هجرته، فذهب وهْله إلى أنها اليمامة وكانت هي المدينة، وفي هزيمة المسلمين، ثم في فتحهم،. فرأى سيفًا، هَزَّها مرة فانقطعت، ثم هَزَّها مرة أخرى فعادت كأحسن ما كانت، وفي كَذَّابَيْن حيث رأى في يديه سواران من ذهب، وفي أم المؤمنين عائشة ﵂، أُرِيْهَا في سَرَقَةٍ من حرير وغيرها. وما نقل في واقعة الحُدَيْبِيَة فافتراء محضٌ ليس له إسناد ولو ضعيفًا.
اجتهاد النبي ﷺ
واعلم أن النبي ﷺ ينتظر الوحي في الأمور كلها، فإذا لم ينزل عليه وَدَعَتْ له حاجة اجتهد. ثم لا يُتْرَكُ على الخطأ لو وقع فيه، ولا يَسْتَقِرُّ عليه حتى الموت قط، وهو تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ ... إلخ [الحج: ٥٢] وسنعود إلى تفسيره إن شاء الله تعالى. وما ذكره المفسرون من القصص ههنا فكلُّها باطلة. وقول إبراهيم ﵊ ﴿هَذَا رَبّي﴾ [الأنعام: ٧٦] من هذا القبيل عندي. والناس ذكروا عنه وجوهًا من رَطْبٍ ويابس، وما نُلْقِي عليك الآن هو أنه لم يكن هناك شيء في الخارج، بل السلسلة كلها حكاية عن انتقالاته التدريجية الفكرية، حتى انتهى إلى العِلم الحقيقي. ولم يكن لهذا المعنى لفظ يؤدي مؤدَّاه، فسبق الوَهْم من مجرد التعبير إلى ما سبق، وكان المراد منه هو التدرّج، ولذا كرر قوله: ﴿هَذَا رَبّي﴾ ثلاث مرات. معناه: أنه اجتهد في أنه ربه أم لا؟ ثم اجتهد واجتهد حتى تبيَّن له أنَّ مَنْ كان محطًا للتحوُّلات، ومحّلًا للتغيرات، وآفلًا بعد كونه طعالعًا، ومُظلمًا إثْرَ كونه مضيئًا ومستضيئًا، لا تليق به الأولوهية، فتبرَّأ منه حنيفًا مسلمًا. ولفظ الاجتهاد حادثٌ، والتدرج لم يكن في الخارج بلفظ، ولكنه نية على نحو التقادير، وما المانع عنه عند