فيض الباري على صحيح البخاري
يصوِّر في نومه ما عَلِق به قلبه في اليقظة، فهذا أمرٌ ممكنٌ، بل واقعٌ ونوعُ بشارةٍ له أيضًا، فإن هذا الخيال وإن لم تكن له حقيقة لكنه مبارك.
والحاصل أن رؤياه ﷺ قد تكون كرامةً من الله تعالى، وهو بشرى المؤمن حقيقة، وقد تكون على طور تحديث النفس، فهذا أيضًا نوع بِشارة، وإن كانت ضعيفة ولذا يشتركُ فيها الصالح والطالح، ولو كان مع ذلك عناية من جانبه تعالى، فالأمر أعلى؛ وأما على طريق تحزين الشيطان فهذا أبعد وأبعد، نعم، يتحقق ذلك في الرؤيا العامة، هكذا حققه الشيخ المجدد السَّرهندي رحمه الله تعالى وأعلى درجته في عليين وبعدَه الشيخ ميرزا جان جانان الشهيد والشاه رفيع الدين رحمهما الله تعالى، فإنهم كلهم كانوا قائلين بالرؤية الخيالية أيضًا. ولعَمري أنه مذهبٌ محكمٌ مطابقٌ بما في الواقع، والله تعالى أعلم.
٤٠ - باب كِتَابَةِ الْعِلْمِ
١١١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ قَالَ أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنِ الشَّعْبِىِّ عَنْ أَبِى جُحَيْفَةَ قَالَ قُلْتُ لِعَلِىٍّ هَلْ عِنْدَكُمْ كِتَابٌ قَالَ لَا، إِلَاّ كِتَابُ اللَّهِ، أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، أَوْ مَا فِى هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. قَالَ قُلْتُ فَمَا فِى هَذِهِ الصَّحِيفَةِ قَالَ الْعَقْلُ، وَفَكَاكُ الأَسِيرِ، وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ. أطرافه ١٨٧٠، ٣٠٤٧، ٣١٧٢، ٣١٧٩، ٦٧٥٥، ٦٩٠٣، ٦٩١٥، ٧٣٠٠ تحفة ١٠٣١١
واعلم أن الاهتمام في عهده ﷺ كان بجمعِ القرآن فقط، ولم تكن هممهم مصروفةً إلى جمع الأحاديث، بل كانوا يحفظونَها عن ظهرِ قلب، إما بالألفاظ بعينها إن أمكن، وإلا فبالمعنى مع إبقاء المراد على حاله.
ثم جَمَعَ أبو بكر الصديق مما تفرق من القرآن في مقام واحد، ثم أخذ عنه عمر ﵁ نقولًا في زمان خلافته. أما عثمان ﵁ فكتب جميع ما كان قرأه جبرئيل على النبي ﷺ في العَرْضَةِ الأخيرة وأرسل نقوله إلى البلاد وما كانت عندهم من القراءات المختلفة أمر بحرقها لئلا يَشقَّ الناسُ عصاهم في أمر القرآن. ثم إنه ثبت عنه النهيُ عن كتابة الحديث وثبت عنه الإجازة أيضًا لبعض أصحابه ﷺ فقد رُوي عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: إني لا أعلمُ أحدًا أحفظُ لحديث رسول الله ﷺ مني غير عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁، فإنه كان يكتب ولا أكتب (١)، فكان عبد الله بن عمرو بن العاص جمع أحاديثه ﷺ في كتاب وسمَّاه الصادقة.