فيض الباري على صحيح البخاري
اسمان لنبيَ واحدٍ، كما يَدُلُّ عليه قول ابن مسعود، وابن عبَّاس؟ والجمهور على أنهما نبيَّان، فإن إدريسَ ﵊ نبيٌّ قبل نوحٍ ﵊، وبعد شيث ﵊. وأمَّا إلياسُ ﵊، فهو نبيٌّ من أنبياء بني إسرائيل، بعد موسى ﵊، وحينئذٍ وَجَبَ تأويل قول ابن مسعود، وابن عباس: إن إلياسَ هو إدريسُ عليهما الصلاة والسلام. فقيل: إن ابن عباس فسَّر قراءةً أخرى فيه، وهي ﴿سلام على إدراسين﴾ وكان قوله: هكذا إن إدراس هو إدريس، فسُومِحَ فيه. وقيل: إن إلياسَ هو إدريسُ، مكان إدراس.
وقيل: إن لهذين اسمان متبادلان، يُطْلَقُ أحدهما على الآخر، فيقال لإِدريسَ: إلياس أيضًا عليهما الصلاة والسلام، وبالعكس، على أن اسمَ أحدهما لقبٌ للآخر، فإِدريسُ عَلَمٌ له، ولقبُه إلياسُ عليهما الصلاة والسلام، وكذا العكس، فهما مشهوران بِعَلَمَيْهِمَا، وأَطْلَقَ ابن عباس باعتبار اللقب.
وقال الشيخُ الأكبرُ: إن إدريس وإلياس نبيٌّ واحدٌ ﵊. وقال في «الفصوص»: إن إدريسَ ﵊ كان نبيًّا حين رُفِعَ، ثُمَّ إذا نَزَلَ، وقد جَعَلَه اللَّهُ رسولًا، سُمِّي بإِلياسين، فهو نبيٌّ واحدٌ في النشأتين، كعيسى ﵊، وهذا يَدُلُّ على أنه ذَهَبَ إلى وَحْدَتِهِمَا. وناقضه في مواضعَ عديدةٍ، حين ذَكَرَ الذين اشتهرت حياتُهم، وذكرهم أربعة، إدريس، وإلياس، وعيسى، والخَضِر عليهم الصلاة والسلام، فَدَلَّ على تغايُرِهِمَا عنده. وتأوَّله بحر العلوم أنهما اثنان، باعتبار العُهْدَةِ، لكونه نبيًّا قبل الرفع، ورسولًا بعد النزول، وأمَّا باعتبار الشخص، فواحدٌ.
ثم إن الشيخَ الأكبرَ تمسَّك بقوله: «مرحبًا بالنبيِّ الصالح، والأخ الصالح»، في ليلة المعراج، على عدم كونه من أجداد النبيِّ ﷺ وإلَاّ لَقَالَ: بالابن الصالح.
قلتُ: وهو غيرُ تامَ، فإنه لم يُخَاطِبْهُ بالابنيَّة أحدٌ منهم غير آدم، وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام، تنبيهًا وتعظيمًا لأمره، أمَّا آدمُ ﵊، فقد كان أبا البشر، فما له إلَاّ أن يَدْعُوَه بالابن. وأمَّا إبراهيمُ ﵊، فإنه أراد إشاعةَ هذه النسبة من قبله، وفي الحديث: «إني دعوة أبي إبراهيم ﵊» ... إلخ. وأمَّا غيرُهُما، فاكتفوا في المخاطبة بالأخوَّة العامة، «فإن الأنبياءَ ﵈ إِخْوَة لِعَلَاّتٍ، إلى آخر الحديث، وكلُّهم بنو آدم، فصَحَّت الأخوَّة بلا ريب.
والذي تبيَّن لي أنهما نبيَّان قطعًا، ومن ظَنَّ أنهما واحدٌ، فقد نَظَرَ إلى شهرة رفع إدريس ﵊ في أهل الإِسلام، وشهرة رفع إلياس ﵊ في بني إسرائيل، فركَّب من مجموع ذلك الاتحاد، وإلَاّ فهما نبيَّان.