فيض الباري على صحيح البخاري
لنحوٍ من العلم وهو العلوم التكوينية، وموسى ﵇ كان حاملًا لنحوٍ آخر وهو علوم الذات والصفات وعلم الشريعة وهو العلم الأعلى والمقصد الأسنى، بخلاف العلم الأول فإن كماليته في جانب الحق لا في جانب الخلق، وقد جُرِّب أن كشوف أهل التصوف من غير العلماء أكثرَها تكون في الأمور التكوينية. أما أهل العلم منهم فأكثرُها تتعلق بالأمور الإلهية، كالشاه ولي الله رحمه الله تعالى والشيخ الأكبر رحمه الله تعالى فإن كشوفهما تتعلق بحلِّ مسائل الصفات وغيرها، ونعمت الكشوف هي. وإنما أظهر أعلمية الخضر ﵇ مع كونه مفضولًا، لأن موسى ﵇ كان معاتَبًا ومناقَشًا به إذ ذاك، ولو انعكس الأمر لأظهر أعلميةَ موسى ﵇، ولما علم خضر من حاله لم يقُل إلا ما حكاه النبيّ ﷺ عنه من قوله أنت على علم ... إلخ. ولعلك علمتَ من هذه القصة ما قَدْرُ عِلْمِ العبد بجنب علم الله تعالى حيث أن موسى ﵇ مع كونه نبيًا لم يكن عنده علمٌ من الجزئيات الحقيرة بل لم يستطع أن يصبر على جزئي واحد من هذا العلم، وصدق خضر ﵇: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٦٧] فكأنه لم يخلق لهذا النحو من العلم. وهذا الذي علمته كان من أمر موسى وخضر ﵉. أما خاتم الأنبياء ﵈ فإنه تمنّى أن يكون موسى ﵇ صَبَر ليعلم من عجائب قصصهما أزْيَدَ من هذا فكأنه أيضًا لم يكن أوتي تلك العلوم فهذه عقيدة موسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم في علم الله تعالى. ولقد صدق الله تعالى: ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مّن الْعِلْمِ إِلَاّ قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] فالعبد عبد وإن عُرِجَ به فوق السموات العلى، والله تعالى سبحانه وراء الوراء وهو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد.
فائدة
قد صنف الشيخ تقي الدين السبكي في الرد على الحافظ ابن تيمية رحمه الله تعالى رسالة سماها ب «الاقتناص في الفرق بين القصر والاختصاص»، وقال فيها: إن التقديم لا يفيد القصر بل يفيد الاختصاص والفرق بين القصر والاختصاص أن الاختصاص اسم لإفادة الشيء بخصوصه بخلاف القصر فإنه اسم للإثبات والنفي جميعًا، وأحاله السبكي والزمخشري ولم أره في كلام الزمخشري.
١٨ - باب قَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْكِتَابَ»
يريد أنه غير مُضبِط بل مُختلِف باختلاف الأشخاص والأزمنة. وقصة العارف الجامي وذهاب أبيه إياه إلى درس العلامة الحيدرة في صباه مشهورة، وقد أحفظ أنا أيضًا كثيرًا مما وقع لي في صِغَري كالواقع اليومي.
٧٥ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ ضَمَّنِى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْكِتَابَ». أطرافه ١٤٣، ٣٧٥٦، ٧٢٧٠ - تحفة ٦٠٤٩