تفسير ابن كمال باشا
وعلى الأول؛ قيل: كأنَّه جعل النَّبِيَّ مستلزمًا لأحَدِ الأمرين: الجنون، وتوقُّع نفعٍ دنيويٍّ عليه، لا لأنَّه لا يخلو مِن أنْ يكون لغرضٍ، أو لا، وأيًّا مّا كان يَلزم أحدُهما، ثم نفى كلًّا منهما. ولا يَخفى ضعفُه؛ لأنَّ توقُّع النفع الدنيويِّ غيرُ منحصرٍ في سؤالِ الأجرِ، وذلك ظاهر.
﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾؛ أي: ما أَبتغي عليه إلَّا الثوابَ مِن اللَّه تعالى ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾: مُطَّلعٌ يَعلمُ صدقي، وأنِّي لا أَطمع في شيءٍ ولا أَتوقَّع أجرًا إلَّا منه.
* * *
(٤٨) - ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾.
﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾ القذفُ (١) مستعارٌ مِن معناه بمعنى الإلقاء؛ أي: يُلقيه إلى أنبيائه، أو يرمي به الباطلَ فيدمغُه ويُزهِقه.
﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ خبرٌ ثانٍ، أو صفةٌ لـ ﴿رَبِّي﴾ محمولةٌ على محلِّ (إنَّ) واسمِها، أو خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، أو بدلٌ مِن المستكنِّ في ﴿يَقْذِفُ﴾.
وقرئ: بالنصب (٢) صفةً لـ ﴿رَبِّ﴾، أو على المدح؛ أي: أعني، أو: أخصُّ.
وقرئ: بكسر الغين (٣)، كالبِيوتِ، وبفتحها كالصَّبُور (٤)، على أنَّه مبالغةُ غائبٍ، وهو البليغُ في الغَيبة والخَفاء.
* * *