Skip to content

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير [سورة القمر (٥٤) : الآيات ٤ إلى ٥]

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير

ابن عاشور

Printed page ٢٧/ ١٧٤

فَالْمُرَادُ بِالِاسْتِقْرَارِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ: مُسْتَقِرٌّ الِاسْتِقْرَارُ فِي الدُّنْيَا.

وَفِي هَذَا تَعْرِيضٌ بِالْإِيمَاءِ إِيمَاءً إِلَى أَنَّ أَمْرَ دَعْوَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ سَيَرْسَخُ وَيَسْتَقِرُّ بَعْدَ تَقَلْقُلِهِ.

وَمُسْتَقِرٌّ: بِكَسْرِ الْقَافِ اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ اسْتَقَرَّ، أَيْ قَرَّ، وَالسِّينُ وَالتَّاءُ لِلْمُبَالَغَةِ مِثْلُ السِّينِ وَالتَّاءِ فِي اسْتَجَابَ.

وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ بِرَفْعِ الرَّاءِ مِنْ مُسْتَقِرٌّ. وَقَرَأَهُ أَبُو جَعْفَرٍ بِخَفْضِ الرَّاءِ عَلَى جَعْلِ كُلُّ أَمْرٍ عَطْفًا على السَّاعَةُ [الْقَمَر: ١] . وَالتَّقْدِيرُ: وَاقْتَرَبَ كُلُّ أَمْرٍ. وَجَعْلِ مُسْتَقِرٌّ صِفَةَ أَمْرٍ.

وَالْمَعْنَى: أَنَّ إِعْرَاضَهُمْ عَنِ الْآيَاتِ وَافْتِرَاءَهُمْ عَلَيْهَا بِأَنَّهَا سِحْرٌ وَنَحْوُهُ وَتَكْذِيبُهُمُ الصَّادِقَ وَتَمَالُؤُهُمْ عَلَى ذَلِكَ لَا يُوهِنُ وَقْعَهَا فِي النُّفُوسِ وَلَا يَعُوقُ إِنْتَاجَهَا. فَأَمْرُ النَّبِيءِ ﷺ صَائِرٌ إِلَى مَصِيرِ أَمْثَالِهِ الْحَقِّ مِنَ الِانْتِصَارِ وَالتَّمَامِ وَاقْتِنَاعِ النَّاسِ بِهِ وَتَزَايُدِ أَتْبَاعِهِ، وَأَنَّ اتِّبَاعَهُمْ أَهْوَاءَهُمْ وَاخْتِلَاقَ مَعَاذِيرِهِمْ صَائِرٌ إِلَى مَصِيرِ أَمْثَالِهِ الْبَاطِلَةِ مِنَ الِانْخِذَالِ وَالِافْتِضَاحِ وَانْتِقَاصِ الْأَتْبَاعِ.

وَقَدْ تَضَمَّنَ هَذَا التَّذْيِيلُ بِإِجْمَالِهِ تَسْلِيَةً لِلنَّبِيءِ ﷺ وَتَهْدِيدًا لِلْمُشْرِكِينَ وَاسْتِدْعَاءً لنظر المترددين.

[٤، ٥]

[سُورَة الْقَمَر (٥٤) : الْآيَات ٤ إِلَى ٥]

وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ (٥)

عَطَفَ عَلَى جُمْلَةِ وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ [الْقَمَر: ٣] أَيْ جَاءَهُمْ فِي الْقُرْآنِ مِنْ أَنْبَاءِ الْأُمَمِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ لِهَؤُلَاءِ، أَوْ أُرِيدَ بِالْأَنَبَاءِ الْحُجَجُ الْوَارِدَةُ فِي الْقُرْآنِ، أَيْ جَاءَهُمْ مَا هُوَ أَشَدُّ فِي الْحُجَّةِ مِنَ انْشِقَاقِ الْقَمَرِ. ومِنَ الْأَنْباءِ بَيَانُ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ قُدِّمَ عَلَى الْمُبَيَّنِ ومِنَ بَيَانِيَّةٌ.

وَالْمُزْدَجَرُ: مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، وَهُوَ مُصَاغٌ بِصِيغَةِ اسْمِ الْمَفْعُولِ الَّذِي فِعْلُهُ زَائِدٌ عَلَى