Skip to content

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير أغراض هذه السورة

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير

ابن عاشور

Printed page ٢٥/ ٢٤

الْآيَاتِ الْأَرْبَعِ الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ. وَفِي «أَحْكَامِ الْقُرْآنِ» لِابْنِ الْفُرْسِ عَنْ مُقَاتِلٍ: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ [الشورى: ٢٧] الْآيَةَ نَزَلَ فِي أَهْلِ الصُّفَّةِ فَتَكُونُ مَدَنِيَّةً، وَفِيهِ عَنْهُ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ إِلَى قَوْلِهِ: مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ [الشورى: ٣٩- ٤١] نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ.

نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الْكَهْفِ وَقَبْلَ سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ وَعُدَّتِ التَّاسِعَةَ وَالسِتِّينَ فِي تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ عِنْدَ الْجَعْبَرِيِّ الْمَرْوِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ. وَإِذَا صَحَّ أَنَّ آيَةَ وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا [الشورى: ٢٨] نَزَلَتْ فِي انْحِبَاسِ الْمَطَرِ عَنْ أَهْلِ مَكَّةَ كَمَا قَالَ مُقَاتِلٌ تَكُونُ

السُّورَةُ نَزَلَتْ فِي حُدُودِ سَنَةِ ثَمَانٍ بَعْدَ الْبَعْثَةِ، وَلَعَلَّ نُزُولَهَا اسْتَمَرَّ إِلَى سَنَةِ تِسْعٍ بَعْدَ أَنْ آمَنَ نُقَبَاءُ الْأَنْصَارِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ فَقَدْ قِيلَ: إِنَّ قَوْلَهُ: وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ

[الشورى: ٣٨] أُرِيدَ بِهِ الْأَنْصَارُ قَبْلَ هِجْرَة النبيء ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ.

وَعُدَّتْ آيُهَا عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ وَالشَّامِ وَالْبَصْرَةِ خَمْسِينَ، وَعِنْدَ أَهْلِ الْكُوفَةِ ثَلَاثًا وَخَمْسِينَ.

أَغْرَاضُ هَذِهِ السُّورَةِ

أَوَّلُ أَغْرَاضِهَا الْإِشَارَةُ إِلَى تَحَدِّي الطَّاعِنِينَ فِي أَنَّ الْقُرْآنَ وَحْيٌ مِنَ اللَّهِ بِأَنْ يَأْتُوا بِكَلَامٍ مِثْلِهِ، فَهَذَا التَّحَدِّي لَا تَخْلُو عَنْهُ السُّوَرُ الْمُفْتَتَحَةُ بِالْحُرُوفِ الْهِجَائِيَّةِ الْمُقَطَّعَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ. وَاسْتَدَلَّ اللَّهُ عَلَى الْمُعَانِدِينَ بِأَنَّ الْوَحْيَ إِلَى مُحَمَّد ﷺ مَا هُوَ إِلَّا كَالْوَحْيِ إِلَى الرُّسُلِ مِنْ قَبْلِهِ لِيُنْذِرَ أَهْلَ مَكَّةَ وَمَنْ حَوْلَهَا بِيَوْمِ الْحِسَابِ. وَأَنَّ اللَّهَ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَا تُعَارَضُ قُدْرَتُهُ وَلَا يُشَكُّ فِي حِكْمَتِهِ، وَقَدْ خَضَعَتْ لَهُ الْعَوَالِمُ الْعُلْيَا وَمَنْ فِيهَا وَهُوَ فَاطِرُ الْمَخْلُوقَاتِ فَهُوَ يَجْتَبِي مَنْ يَشَاءُ لِرِسَالَتِهِ فَلَا بِدْعَ أَنْ يُشَرِّعَ لِلْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ مِنَ الدِّينِ مِثْلَ مَا شَرَّعَ لِمَنْ قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ، وَمَا أَرْسَلَ اللَّهُ الرُّسُلَ إِلَّا مِنَ الْبَشَرِ يُوحِي إِلَيْهِمْ فَلَمْ يَسْبِقْ أَنْ أَرْسَلَ مَلَائِكَةً لِمُخَاطَبَةِ عُمُومِ النَّاسِ مُبَاشَرَةً.