Skip to content

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير [سورة غافر (٤٠) : آية ٢٥]

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير

ابن عاشور

Printed page ٢٤/ ١٢٢

[سُورَة غَافِر (٤٠) : الْآيَات ٢٣ إِلَى ٢٤]

وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلى فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤)

هَذَا ذِكْرُ فَرِيقٍ آخَرَ مِنَ الْأُمَمِ لَمْ يَشْهَدِ الْعَرَبُ آثَارَهُمْ وَهُمْ قَوْمُ فِرْعَوْنَ أَقْبَاطُ مِصْرَ، وَتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ فِي أَوَاخِرِ سُورَةِ هُودٍ. وَتَقَدَّمَ ذِكْرُ هَامَانَ وَهُوَ لَقَبُ وَزِيرِ فِرْعَوْنَ فِي سُورَةِ الْقَصَصِ. وَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّهَا تَزِيدُ عَلَى مَا أُجْمِلَ مِنْ قِصَصِ أُمَمٍ أُخْرَى أَنَّ فِيهَا عِبْرَتَيْنِ: عِبْرَةٌ بِكَيْدِ الْمُكَذِّبِينَ وَعِنَادِهِمْ ثُمَّ هَلَاكِهِمْ، وَعِبْرَةٌ بِصَبْرِ الْمُؤْمِنِينَ وَثَبَاتِهِمْ ثُمَّ نَصْرِهِمْ، وَفِي كِلْتَا الْعِبْرَتَيْنِ وَعِيدٌ وَوَعْدٌ.

وَجُمْلَةُ: فَقالُوا ساحِرٌ كَذَّابٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى وَبَيْنَ جُمْلَةِ فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ [غَافِر: ٢٥] .

وَقَارُونُ هُوَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَذَّبَ مُوسَى، وَتَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الْقِصَصِ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ كَانَ مُنْقَطِعًا إِلَى فِرْعَوْنَ وَخَادِمًا لَهُ، وَهَذَا بَعِيدٌ لِأَنَّهُ كَانَ فِي زُمْرَةِ مَنْ خَرَجَ مَعَ مُوسَى، أَيْ فَاشْتَرَكَ أُولَئِكَ فِي رَمْيِ رَسُولِهِمْ بِالْكَذِبِ وَالسِّحْرِ كَمَا فعلت قُرَيْش.

[٢٥]

[سُورَة غَافِر (٤٠) : آيَة ٢٥]

فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ (٢٥)

أَيْ رَمَوْهُ ابْتِدَاءً بِأَنَّهُ سَاحِرٌ كَذَّابٌ تَوَهُّمًا أَنَّهُمْ يُلْقِمُونَهُ حَجَرَ الْإِحْجَامِ فَلَمَّا اسْتَمَرَّ عَلَى دَعْوَتِهِ وَجَاءَهُمْ بِالْحَقِّ، أَيْ أَظْهَرَ لَهُمُ الْآيَاتِ الْحَقَّ، أَيِ الْوَاضِحَةَ، فَأَطْلَقَ جاءَهُمْ عَلَى ظُهُورِ الْحَقِّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ [الْإِسْرَاء: ٨١] .

ومِنْ عِنْدِنا وَصْفٌ لِلْحَقِّ لِإِفَادَةِ أَنَّهُ حُقٌّ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ تَسْخِيرِ اللَّهِ وَتَأْيِيدِهِ، وَهُوَ آيَاتُ نُبُوَّتِهِ التِّسْعُ.

وَوَجْهُ وُقُوعِ فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا بَعْدَ قَوْلِهِ: أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا [غَافِر: ٢٣]