Skip to content

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير [سورة العنكبوت (٢٩) : آية ٦٩]

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير

ابن عاشور

Printed page ٢١/ ٣٦

وَعَلَّقَ ذَلِكَ بِعُنْوَانِ الْكَافِرِينَ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى اسْتِحْقَاقِهِمْ ذَلِكَ لِأَجْلِ كُفْرِهِمْ.

وَالتَّعْرِيفُ فِي (الْكَافِرِينَ) تَعْرِيفُ الْعَهْدِ، أَيْ لِهَؤُلَاءِ الْكَافِرِينَ وَهُمُ الَّذِينَ ذُكِرُوا مِنْ قَبْلُ بِأَنَّهُمُ افْتَرَوْا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَكَذَّبُوا بِالْحَقِّ، فَكَانَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ الْإِتْيَانَ بِضَمِيرِهِمْ فَعُدِلَ عَنْهُ إِلَى الِاسْمِ الظَّاهِرِ لِإِحْضَارِهِمْ بِوَصْفِ الْكُفْرِ.

وَالْهَمْزَةُ فِي أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلِاسْتِفْهَامِ التَّقْرِيرِيِّ، وَأَصْلُهَا: إِمَّا الْإِنْكَارُ بِتَنْزِيلِ الْمُقِرِّ مَنْزِلَةَ الْمُنْكِرِ لِيَكُونَ إِقْرَارُهُ أَشَدَّ لُزُومًا لَهُ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ لِلِاسْتِفْهَامِ فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَى النَّفْيِ أَفَادَتِ التَّقْرِيرَ لِأَنَّ إِنْكَارَ النَّفْيِ إِثْبَاتٌ لِلْمَنْفِيِّ وَهُوَ إِثْبَاتٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّقْرِيرِ عَلَى وَجْهِ الْكِنَايَةِ. وَهَذَا التَّقْرِيرُ بِالْهَمْزَةِ هُوَ غَالِبُ اسْتِعْمَالِ الِاسْتِفْهَامِ مَعَ النَّفْيِ، وَمِنْهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:

أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ الْمَطَايَا ... وَأَنْدَى الْعَالَمِينَ بُطُونَ رَاحِ

فَإِنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ مَعْنَى التَّقْرِيرِ بِشَهَادَةِ الذَّوْقِ وَلِيَاقَةِ مَقَامِ مَدْحِ الْخَلِيفَةِ. وَهَذَا تَقْرِيرٌ لِمَنْ يَسْمَعُ هَذَا الْكَلَامَ. جُعِلَ كَوْنُ جَهَنَّمَ مَثْوَاهُمْ أَمْرًا مُسَلَّمًا مَعْرُوفًا بِحَيْثُ يُقِرُّ بِهِ كُلُّ مَنْ يُسْأَلُ عَنْهُ كِنَايَةً عَنْ تَحَقُّقِ الْمَغَبَّةِ عَلَى طَرِيقَةِ إِيمَاء الْكِنَايَة.

[٦٩]

[سُورَة العنكبوت (٢٩) : آيَة ٦٩]

وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)

خُتِمَ تَوْبِيخُ الْمُشْرِكِينَ وَذَمُّهُمْ بِالتَّنْوِيهِ بِالْمُؤْمِنِينَ إِظْهَارًا لِمَزِيدِ الْعِنَايَةِ بِهِمْ فَلَا يَخْلُو مَقَامُ ذَمِّ أَعْدَائِهِمْ عَنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَزِيدُ الْأَعْدَاءَ غَيْظًا وَتَحْقِيرًا. والَّذِينَ جاهَدُوا فِي اللَّهِ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ الْأَوَّلُونَ فَالْمَوْصُولُ بِمَنْزِلَةِ الْمُعَرَّفِ بِلَامِ الْعَهْدِ. وَهَذَا الْجِهَادُ هُوَ الصَّبْرُ عَلَى الْفِتَنِ وَالْأَذَى وَمُدَافَعَةِ كَيْدِ الْعَدُوِّ وَهُوَ الْمُتَقَدِّمُ فِي قَوْلِهِ أول السُّورَة

[العنكبوت: ٦] وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِذْ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ جِهَادُ الْقِتَالِ كَمَا عَلِمْتَ مِنْ قَبْلُ. وَجِيءَ بِالْمَوْصُولِ لِلْإِيمَاءِ إِلَى أَنَّ الصِّلَةَ سَبَبُ الْخَبَرِ. وَمَعْنَى جاهَدُوا فِينا