Skip to content

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير [سورة الكهف (١٨) : الآيات ١١ إلى ١٢]

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير

ابن عاشور

Printed page ١٥/ ٢٦٨

[سُورَة الْكَهْف (١٨) : الْآيَات ١١ إِلَى ١٢]

فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً (١١) ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً (١٢)

تَفْرِيعُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ- بِالْفَاءِ- إِمَّا عَلَى جُمْلَةِ دُعَائِهِمْ، فَيُؤْذِنُ بِأَنَّ مَضْمُونَهَا اسْتِجَابَةُ دَعْوَتِهِمْ، فَجَعَلَ اللَّهُ إِنَامَتَهُمْ كَرَامَةً لَهُمْ. بِأَنْ سَلَّمَهُمْ مِنَ التَّعْذِيبِ بِأَيْدِي أَعْدَائِهِمْ، وَأَيَّدَ بِذَلِكَ أَنَّهُمْ عَلَى الْحَقِّ، وَأَرَى النَّاسَ ذَلِكَ بَعْدَ زَمَنٍ طَوِيلٍ.

وَإِمَّا عَلَى جُمْلَةِ إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ [الْكَهْف: ١٠] إِلَخْ فَيُؤْذِنُ بِأَنَّ اللَّهَ عَجَّلَ لَهُمْ حُصُولَ مَا قَصَدُوهُ مِمَّا لَمْ يَكُنْ فِي حُسْبَانِهِمْ.

وَالضَّرْبُ: هُنَا بِمَعْنَى الْوَضْعِ، كَمَا يُقَالُ: ضَرَبَ عَلَيْهِ حِجَابًا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:

ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ [الْبَقَرَة: ٦١] ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا [الْبَقَرَة: ٢٦] .

وَحذف مفعول فَضَرَبْنا لِظُهُورِهِ، أَيْ ضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ غِشَاوَةً أَوْ حَائِلًا عَنِ السَّمْعِ، كَمَا يُقَالُ: بَنَى عَلَى امْرَأَتِهِ، تَقْدِيرُهُ: بَنَى بَيْتًا. وَالضَّرْبُ عَلَى الْآذَانِ كِنَايَةٌ عَنِ الْإِنَامَةِ لِأَنَّ النَّوْمَ الثَّقِيلَ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ السَّمْعِ، لِأَنَّ السَّمْعَ السَّلِيمَ لَا يَحْجُبُهُ إِلَّا النَّوْمُ، بِخِلَافِ الْبَصَرِ الصَّحِيحِ فَقَدْ يُحْجَبُ بِتَغْمِيضِ الْأَجْفَانِ.

وَهَذِهِ الْكِنَايَةُ مِنْ خَصَائِصِ الْقُرْآنِ لَمْ تَكُنْ مَعْرُوفَةً قَبْلَ هَذِهِ الْآيَةِ وَهِيَ مِنَ الْإِعْجَازِ.

وعَدَداً نَعْتُ سِنِينَ. وَالْعَدَدُ: مُسْتَعْمَلٌ فِي الْكَثْرَةِ، أَيْ سِنِينَ ذَاتَ عَدَدٍ كَثِيرٍ.

وَنَظِيرُهُ مَا فِي حَدِيثِ بَدْءِ الْوَحْيِ مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ: فَكَانَ يَخْرُجُ إِلَى غَارِ حِرَاءَ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ» تُرِيدُ الْكَثِيرَةَ. وَقَدْ أُجْمِلَ الْعَدَدُ هُنَا تَبَعًا لِإِجْمَالِ الْقِصَّةِ.