Skip to content

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير [سورة الإسراء (١٧) : آية ١٢]

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير

ابن عاشور

Printed page ١٥/ ٤٣

وَعَجُولٌ: صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ فِي عَاجِلٍ. يُقَالُ: عَجِلَ فَهُوَ عَاجِلٌ وَعَجُولٌ.

وَكُتِبَ فِي الْمُصْحَفِ وَيَدْعُ بِدُونِ وَاوٍ بَعْدَ الْعَيْنِ إِجْرَاءً لِرَسْمِ الْكَلِمَةِ عَلَى حَالَةِ النُّطْقِ بِهَا فِي الْوَصْلِ كَمَا كُتِبَ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ [العلق: ١٨] وَنَظَائِرُهَا. قَالَ الْفَرَّاءُ: لَوْ كُتِبَتْ بِالْوَاوِ لَكَانَ صَوَابا.

[١٢]

[سُورَة الْإِسْرَاء (١٧) : آيَة ١٢]

وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلاً (١٢)

عطف على وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ [الْإِسْرَاء: ١١] ، إِلَخْ. وَالْمُنَاسَبَةُ أَن جملَة وَيَدْعُ الْإِنْسانُ تَتَضَمَّنُ أَنَّ الْإِبْطَاءَ تَأْخِيرُ الْوَعْدِ لَا يَرْفَعُهُ وَأَنَّ الِاسْتِعْجَالَ لَا يُجْدِي صَاحِبَهُ لِأَنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ أَجَلًا، وَلَمَّا كَانَ الْأَجَلُ عِبَارَةً عَنْ أَزْمَانٍ كَانَ مُشْتَمِلًا عَلَى لَيْلٍ وَنَهَارٍ مُتَقَضِّيَيْنِ. وَهَذَا شَائِعٌ عِنْدَ النَّاسِ فِي أَن الزَّمَان متقض وَإِن طَالَ.

فَلَمَّا أُرِيدَ التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ أُدْمِجَ فِيهِ مَا هُوَ أَهَمُّ فِي الْعِبْرَةِ بِالزَّمَنَيْنِ وَهُوَ كَوْنُهُمَا آيَتَيْنِ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ وَعَظِيمِ الْقُدْرَةِ، وَكَوْنِهِمَا مِنَّتَيْنِ عَلَى النَّاسِ، وَكَوْنِ النَّاسِ رُبَّمَا كَرِهُوا

اللَّيْلَ لِظُلْمَتِهِ، وَاسْتَعْجَلُوا انْقِضَاءَهُ بِطُلُوعِ الصَّبَاحِ فِي أَقْوَالِ الشُّعَرَاءِ وَغَيْرِهِمْ، ثُمَّ بِزِيَادَةِ الْعِبْرَةِ فِي أَنَّهُمَا ضِدَّانِ، وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا آثَارُ النِّعْمَةِ الْمُخْتَلِفَةِ وَهِيَ نِعْمَةُ السَّيْرِ فِي النَّهَارِ.

وَاكْتَفَى بَعْدَهَا عَنْ عَدِّ نِعْمَةِ السُّكُونِ فِي اللَّيْلِ لِظُهُورِ ذَلِكَ بِالْمُقَابَلَةِ، وَبِتِلْكَ الْمُقَابَلَةِ حَصَلَتْ نِعْمَةُ الْعِلْمِ بِعَدَدِ السِّنِينَ وَالْحِسَابِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الزَّمَنُ كُلُّهُ ظُلْمَةً أَوْ كُلُّهُ نُورًا لَمْ يَحْصُلِ التَّمْيِيزُ بَيْنَ أَجْزَائِهِ.

وَفِي هَذَا بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ إِيمَاءٌ إِلَى ضَرْبِ مَثَلٍ لِلْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ، وَلِلضَّلَالِ وَالْهُدَى، فَلِذَلِكَ عَقَّبَ بِهِ قَوْلَهُ: وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ [الْإِسْرَاء: ٢] الْآيَةَ، وَقَوْلَهُ: