Skip to content

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٦ إلى ٢٧]

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير

ابن عاشور

Printed page ١/ ٣٥٧

لَا يَعْرِفُ جَمِيعَ أَصْنَافِ الثِّمَارِ فَيَقْتَضِي تَحْدِيدَ الْأَصْنَافِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ.

وَقَوْلُهُ: وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً ظَاهِرٌ فِي أَنَّ التَّشَابُهَ بَيْنَ الْمَأْتِيِّ بِهِ لَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ ثِمَارِ الدُّنْيَا. ثُمَّ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِنِعْمَةِ التَّأَنُّسِ بِالْأَزْوَاجِ وَنَزَّهَ النِّسَاءَ عَنْ عَوَارِضِ نِسَاءِ الدُّنْيَا مِمَّا تَشْمَئِزُّ مِنْهُ النَّفْسُ لَوْلَا النِّسْيَانُ فَجَمَعَ لَهُمْ سُبْحَانَهُ اللَّذَّاتِ عَلَى نَحْوِ مَا أَلِفُوهُ فَكَانَتْ نِعْمَةً عَلَى نِعْمَةٍ.

وَالْأَزْوَاجُ جَمْعُ زَوْجٍ يُقَالُ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى لِأَنَّهُ جَعَلَ الْآخَرَ بَعْدَ أَن كَانَ مُفردا زَوْجًا وَقَدْ يُقَالُ لِلْأُنْثَى زَوْجَةً بِالتَّاءِ وَوَرَدَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ فِي الْبُخَارِيِّ: «إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» يَعْنِي عَائِشَةَ وَقَالَ الْفَرَزْدَقُ:

وَإِنَّ الَّذِي يَسْعَى لِيُفْسِدَ زَوْجَتِي ... كَسَاعٍ إِلَى أَسد الشّرى يستمليها

وَقَوْلُهُ: وَهُمْ فِيها خالِدُونَ احْتِرَاسٌ مِنْ تَوَهُّمِ الِانْقِطَاعِ بِمَا تَعَوَّدُوا مِنِ انْقِطَاعِ اللَّذَّاتِ فِي الدُّنْيَا لِأَنَّ جَمِيعَ اللَّذَّاتِ فِي الدُّنْيَا مُعَرَّضَةٌ لِلزَّوَالِ وَذَلِكَ يُنَغِّصُهَا عِنْدَ الْمُنْعَمِ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ أَبُو طيب:

أَشَدُّ الْغَمِّ عِنْدِي فِي سُرُورٍ ... تَحَقَّقَ عَنْهُ صَاحِبُهُ انْتِقَالَا

وَقَوْلُهُ: مُطَهَّرَةٌ هُوَ بِزِنَةِ الْإِفْرَادِ وَكَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ مطهرات كَمَا قرىء بِذَلِكَ وَلَكِنَّ الْعَرَبَ تَعْدِلُ عَنِ الْجَمْعِ مَعَ التَّأْنِيثِ كَثِيرًا لِثِقْلِهِمَا لِأَنَّ التَّأْنِيثَ خِلَافُ الْمَأْلُوفِ وَالْجَمْعُ كَذَلِكَ، فَإِذَا اجْتَمَعَا تَفَادَوْا عَنِ الْجَمْعِ بِالْإِفْرَادِ وَهُوَ كَثِيرٌ شَائِعٌ فِي كَلَامِهِمْ لَا يَحْتَاجُ لِلِاسْتِشْهَادِ.

[٢٦، ٢٧]

[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : الْآيَات ٢٦ الى ٢٧]

إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٢٧)

إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَما فَوْقَها.

قَدْ يَبْدُو فِي بادىء النَّظَرِ عَدَمُ التَّنَاسُبِ بَيْنَ مَسَاقِ الْآيَاتِ السَّالِفَةِ وَمَسَاقِ هَاتِهِ الْآيَةِ، فَبَيْنَمَا كَانَتِ الْآيَةُ السَّابِقَةُ ثَنَاءً عَلَى هَذَا الْكِتَابِ الْمُبِينِ، وَوَصْفَ حَالَيِ الْمُهْتَدِينَ بِهَدْيِهِ وَالنَّاكِبِينَ عَنْ صِرَاطِهِ وَبَيَانَ إِعْجَازِهِ وَالتَّحَدِّي بِهِ مَعَ مَا تَخَلَّلَ وَأَعْقَبَ ذَلِكَ مِنَ الْمَوَاعِظِ وَالزَّوَاجِرِ النَّافِعَةِ وَالْبَيَانَاتِ الْبَالِغَةِ وَالتَّمْثِيلَاتِ الرَّائِعَةِ، إِذَا بِالْكَلَامِ قد جَاءَ يخبر بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَعْبَأُ أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا بِشَيْءٍ حَقِيرٍ أَوْ غَيْرِ حَقِيرٍ، فَحَقِيقٌ بِالنَّاظِرِ عِنْدَ التَّأَمُّلِ أَنْ تَظْهَرَ لَهُ الْمُنَاسِبَةُ لِهَذَا الِانْتِقَالِ، ذَلِكَ أَنَّ الْآيَاتِ السَّابِقَةَ اشْتَمَلَتْ عَلَى تَحَدِّي الْبُلَغَاءِ بِأَنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِ الْقُرْآنِ، فَلَمَّا عَجَزُوا عَنْ مُعَارَضَةِ النَّظْمِ سَلَكُوا فِي الْمُعَارَضَةِ طَرِيقَةَ الطَّعْنِ فِي الْمَعَانِي فَلَبَّسُوا عَلَى النَّاسِ بِأَنَّ فِي الْقُرْآنِ مِنْ سَخِيفِ الْمَعْنَى مَا يُنَزَّهُ عَنْهُ كَلَامُ اللَّهِ لِيَصِلُوا بِذَلِكَ إِلَى إِبْطَالُُِ