Skip to content

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير [سورة الأعراف (٧) : آية ١٨٦]

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير

ابن عاشور

Printed page ٩/ ١٩٩

وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ: فَبِأَيِّ حَدِيثٍ عَلَى هَذَا بَاءُ التَّعْدِيَةِ لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ يُؤْمِنُونَ، وَإِنْ حُمِلَ عَلَى الْمَجَازِ شَمَلَ الْقُرْآنَ وَغَيْرَهُ مِنْ دَلَائِلِ الْمَصْنُوعَاتِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا مِنْ شَأْنِهَا أَنْ يَتَحَدَّثَ النَّاسُ بِهَا كَمَا فِي قَوْلِهِ: فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ [الجاثية: ٦] فَيَكُونُ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: بَعْدَهُ عَائِدًا عَلَى مَعْنَى الْمَذْكُورِ أَيْ مَا ذُكِرَ من ملكوت السَّمَوَات وَالْأَرْضِ، وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ، وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ، وَأُفْرِدَ الضَّمِيرُ لِتَأْوِيلِهِ بِالْمَذْكُورِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فِي سُورَةِ النِّسَاءِ [٤] أَيْ فَبِأَيِّ شَيْءٍ يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِمْ غَيْرَ مَا ذُكِرَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِدَلَالَةِ مَا ذُكِرَ، وَلَمْ يُؤْمِنُوا لَهُ فَلَا يُرْجَى مِنْهُمْ إِيمَانٌ بَعْدَ ذَلِكَ.

وَالْبَاءُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لِلسَّبَبِيَّةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِ يُؤْمِنُونَ وَ (بَعْدَ) هُنَا مُسْتَعَارَةٌ لِمَعْنَى غَيْرَ، لِأَنَّ الظُّرُوفَ الدَّالَّةَ عَلَى الْمُبَاعَدَةِ وَالْمُفَارَقَةِ تُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمَالَ الْمُغَايِرِ قَالَ تَعَالَى: فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ [الجاثية: ٢٣] وَحَمْلُ (بَعْدَ) عَلَى حَقِيقَتِهَا هُنَا يُحْوِجُ إِلَى تَأْوِيلٍ، وَيُخْرِجُ الْكَلَامَ عَنْ سَوَاء السَّبِيل.

[١٨٦]

[سُورَة الْأَعْرَاف (٧) : آيَة ١٨٦]

مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦)

هَذِهِ الْجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْإِنْكَارِ فِي قَوْلِهِ: فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ [الْأَعْرَاف: ١٨٥] ، لِإِفَادَةِ أَنَّ ضَلَالَهُمْ أَمْرٌ قَدَّرَ اللَّهُ دَوَامَهُ، فَلَا طَمَعَ لِأَحَدٍ فِي هَدْيِهِمْ، وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْحُكْمُ حَاقًّا عَلَى مَنِ اتَّصَفَ بِالتَّكْذِيبِ، وَعَدَمِ التَّفَكُّرِ فِي حَال الرَّسُول ﷺ، وَعَدَمِ النَّظَرِ فِي ملكوت السَّمَوَات وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ، وَفِي توقع اقتراب استيصالهم، كَانَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِمْ بِعَدَمِ الِاهْتِدَاءِ فَرِيقًا غَيْرَ مَعْرُوفٍ لِلنَّاسِ، وَإِنَّمَا يَنْفَرِدُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ وَيُطْلِعُ عَلَيْهِ رَسُولَهُ ﵊، وَيَنْكَشِفُ بَعْضُ ذَلِكَ عِنْدَ مَوْتِ بَعْضِهِمْ عَلَى الشِّرْكِ، وَهَذِهِ هِيَ الْمَسْأَلَةُ الْمُلَقَّبَةُ بِالْمُوَافَاةِ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْكَلَامِ.

وَعَطْفُ جُمْلَةِ: وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ عَلَى جُمْلَةِ: مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ لِلْإِشَارَةِ إِلَى اسْتِمْرَارِ ضَلَالِهِمْ وَانْتِفَاءِ هَدْيِهِمْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ كَمَا وَقَعَ فِي الْمَاضِي.

وَتَفْسِيرُ: نَذَرُهُمْ تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً