Skip to content

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير [سورة الأعراف (٧) : آية ١٦٨]

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير

ابن عاشور

Printed page ٩/ ١٥٧

الْإِسْلَامَ، أَيْ لَغَفُورٌ لِمَنْ تَابَ وَرَجَعَ إِلَى الْحَقِّ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ اللَّهَ قَدْ يُنَفِّسُ عَلَيْهِمْ فِي فَتَرَاتٍ مِنَ الزَّمَنِ لِأَنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ سَبَقَتْ غَضَبَهُ، وَقَدْ أَلَمَّ بِمَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى:

وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولًا ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا [الْإِسْرَاء: ٤- ٨] .

[١٦٨]

[سُورَة الْأَعْرَاف (٧) : آيَة ١٦٨]

وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨)

عَطْفُ قِصَّةٍ عَلَى قِصَّةٍ، وَهُوَ عَوْدٌ إِلَى قَصَصِ الْإِخْبَارِ عَنْ أَحْوَالِهِمْ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ إِشَارَةً إِلَى تَفَرُّقِهِمْ بَعْدَ الِاجْتِمَاعِ، وَالتَّقْطِيعُ التَّفْرِيقُ، فَيَكُونُ مَحْمُودًا مِثْلَ وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً [الْأَعْرَاف: ١٦٠] ، وَيَكُونُ مَذْمُومًا، فَالتَّعْوِيلُ عَلَى الْقَرِينَةِ لَا عَلَى لَفْظِ التَّقْطِيعِ.

فَالْمُرَادُ مِنَ الْأَرْضِ الْجِنْسُ أَيْ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ.

وأُمَماً جَمْعُ أُمَّةٍ بِمَعْنَى الْجَمَاعَةِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ هُنَا تَقْطِيعًا مَذْمُومًا أَيْ تَفْرِيقًا بَعْدَ اجْتِمَاعِ أُمَّتِهِمْ فَيَكُونُ إِشَارَةً إِلَى أَسْرِ بني إِسْرَائِيل عِنْد مَا غَزَا مَمْلَكَةَ إِسْرَائِيلَ (شَلَمْنَاصِرُ) مَلِكُ بَابِلَ. وَنَقَلَهُمْ إِلَى جِبَالِ أَنْشُورَ وَأَرْضِ بَابِلَ سَنَةَ ٧٢١ قَبْلَ الْمِيلَادِ. ثُمَّ أَسَرَ (بُخْتَنَصَّرُ) مَمْلَكَةَ يَهُوذَا وَمَلَكَهَا سَنَةَ ٥٧٨ قَبْلَ الْمِيلَادِ، وَنَقَلَ الْيَهُودَ مِنْ (أُرْشَلِيمَ) وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْفُقَرَاءُ وَالْعُجَّزُ. ثُمَّ عَادُوا إِلَى أُرْشَلِيمَ سَنَةَ ٥٣٠، وَبَنَوُا الْبَيْتَ الْمُقَدَّسَ إِلَى أَنْ أَجْلَاهُمْ (طَيْطُوسُ) الرُّومَانِيُّ، وَخُرِّبَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ فِي أَوَائِلِ الْقَرْنِ الثَّانِي بَعْدَ الْمِيلَادِ، فَلَمْ تَجْتَمِعْ أُمَّتُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَتَمَزَّقُوا أَيْدِي سَبَأٍ.

وَوَصْفُ الْأُمَمِ بِأَنَّهُمْ مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ إِيذَانٌ بِأَنَّ التَّفْرِيقَ شَمِلَ الْمُذْنِبِينَ وَغَيْرَهُمْ، وَأَنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِلصَّالِحِينَ مَنْزِلَةَ إِكْرَامٍ عِنْدَ الْأُمَمِ الَّتِي حلّوا بَينهمَا، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ:

وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ.