Skip to content

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير [سورة الأنعام (٦) : آية ١٦٤]

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير

ابن عاشور

Printed page ٨-أ/ ٢٠٥

فِي مِثْلِ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٤١] . وَلَيْسَ الْمُرَادُ مَعْنَاهُ الصَّرِيحَ لِقِلَّةِ جَدْوَى الْخَبَرِ بِذَلِكَ، لِأَنَّ كُلَّ دَاعٍ إِلَى شَيْءٍ فَهُوَ أَوَّلُ أَصْحَابِهِ لَا مَحَالَةَ، فَمَاذَا يُفِيدُ ذَلِكَ الْأَعْدَاءَ وَالْأَتْبَاعَ، فَإِنْ أُرِيدَ بِالْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا حَقِيقَةَ الْإِسْلَامِ بِمَعْنَى إِسْلَامِ الْوَجْهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لَمْ يَسْتَقِمْ، لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ ﵇ كَانَ مُسْلِمًا وَكَانَ بَنُوهُ مُسْلِمِينَ، كَمَا حَكَى اللَّهُ عَنْهُمْ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ ﵇: فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [الْبَقَرَة: ١٣٢] وَكَذَلِكَ أَبنَاء يَعْقُوب كَانُوا مُسلمين إِذْ قَالُوا: وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [الْبَقَرَة: ١٣٦] .

وَقَرَأَ نَافِعٌ وَأَبُو جَعْفَرٍ- بِإِثْبَاتِ أَلِفِ «أَنَا» إِذَا وَقَعَتْ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ وَيَجْرِي مَدُّهَا عَلَى قَاعِدَةِ المدّ، وحذفها الْبَاقُونَ قبل الْهمزَة، واتّفق الْجَمِيع على حذفهَا قبل غير الْهمزَة تَخْفِيفًا جَرَى عَلَيْهِ الْعَرَبُ فِي الْفَصِيحِ مِنْ كَلَامِهِمْ نَحْوَ: «أَنَا يُوسُفُ» وَاخْتَلَفُوا فِيهِ قَبْلَ الْهَمْزَةِ نَحْوَ أَنَا أَفْعَلُ، وَأَحْسَبُ أَنَّ الْأَفْصَحَ إِثْبَاتُهَا مَعَ الْهَمْزِ لِلتَّمَكُّنِ مِنَ الْمَدِّ.

[١٦٤]

[سُورَة الْأَنْعَام (٦) : آيَة ١٦٤]

قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٦٤)

قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى.

اسْتِئْنَافٌ ثَالِثٌ، مُفْتَتَحٌ بِالْأَمْرِ بِالْقَوْلِ، يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ النَّتِيجَةِ لِمَا قَبْلَهُ، لِأَنَّهُ لَمَّا عُلِمَ أَنَّ اللَّهَ هَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَأَنْقَذَهُ مِنَ الشِّرْكِ، وَأَمَرَهُ بِأَنْ يُمَحِّضَ عِبَادَتَهُ وَطَاعَتَهُ لِرَبِّهِ تَعَالَى، شُكْرًا عَلَى الْهِدَايَةِ، أَتْبَعَ ذَلِكَ بِأَنْ يُنْكِرَ أَنْ يَعْبُدَ غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ وَاهِبَ النِّعَمِ هُوَ مُسْتَحِقُّ الشُّكْرِ، وَالْعِبَادَةُ جِمَاعُ مَرَاتِبِ الشُّكْرِ، وَفِي هَذَا رُجُوعٌ إِلَى بَيَانِ ضَلَالِهِمْ إِذْ عَبَدُوا غَيْرَهُ وَإِعَادَةُ الْأَمْرِ بِالْقَوْلِ تَقَدَّمَ بَيَانُ وَجْهِهِ.