Skip to content

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير [سورة المائدة (٥) : الآيات ٨٧ إلى ٨٨]

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير

ابن عاشور

Printed page ٧/ ١٣

[سُورَة الْمَائِدَة (٥) : آيَة ٨٦]

وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (٨٦)

هَذَا تَتْمِيمٌ وَاحْتِرَاسٌ، أَيْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّصَارَى وَكَذَّبُوا بِالْقُرْآنِ هُمْ بِضِدِّ الَّذِينَ أَثَابَهُمُ اللَّهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ.

وَأَصْحَابُ الْجَحِيمِ مُلَازِمُوهُ. وَالْجَحِيمُ جَهَنَّمُ. وَأَصْلُ الْجَحِيمِ النَّارُ الْعَظِيمَةُ تُجْعَلُ فِي حُفْرَةٍ لِيَدُومَ لَهِيبُهَا. يُقَالُ: نَارٌ جَحْمَةٌ، أَيْ شَدِيدَةُ اللَّهَبِ. قَالَ بَعْضُ الطَّائِيِّينَ مِنَ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ شُعَرَاءِ الْحَمَاسَةِ:

نَحْنُ حَبَسْنَا بَنِي جَدِيلَةَ فِي ... نَارٍ مِنَ الْحَرْبِ جحمة الضرم

[٧٨، ٨٨]

[سُورَة الْمَائِدَة (٥) : الْآيَات ٨٧ إِلَى ٨٨]

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨)

اسْتِئْنَافٌ ابْتِدَائِيٌّ خِطَابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِأَحْكَامٍ تَشْرِيعِيَّةٍ، وَتَكْمِلَةٌ عَلَى صُورَةِ التَّفْرِيعِ جَاءَتْ لِمُنَاسَبَةِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الثَّنَاءِ عَلَى الْقِسِّيسِينَ وَالرُّهْبَانِ. وَإِذْ قَدْ كَانَ مِنْ سُنَّتِهِمُ الْمُبَالَغَةُ فِي الزُّهْدِ وَأَحْدَثُوا رَهْبَانِيَّةً مِنَ الِانْقِطَاعِ عَنِ التَّزَوُّجِ وَعَنْ أَكْلِ اللُّحُومِ وَكَثِيرٍ مِنَ الطَّيِّبَاتِ كَالتَّدَهُّنِ وَتَرْفِيهِ الْحَالَةِ وَحُسْنِ اللِّبَاسِ، نَبَّهَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى أَنَّ الثَّنَاءَ عَلَى الرُّهْبَانِ وَالْقِسِّيسِينَ بِمَا لَهُمْ مِنَ الْفَضَائِلِ لَا يَقْتَضِي اطِّرَادَ الثَّنَاءِ عَلَى جَمِيعِ أَحْوَالِهِمُ الرَّهْبَانِيَّةِ.

وَصَادَفَ أَنْ كَانَ بَعْضُ أَصْحَابِ رَسُول الله ﷺ قَدْ طَمَحَتْ نُفُوسُهُمْ إِلَى التَّقَلُّلِ مِنَ التَّعَلُّقِ بِلَذَائِذِ الْعَيْشِ اقْتِدَاءً بِصَاحِبِهِمْ سيّد الزاهدين ﷺ.

رَوَى الطَّبَرِيُّ وَالْوَاحِدِيُّ أَنَّ نَفَرًا تَنَافَسُوا فِي الزُّهْدِ. فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَأَقُومُ اللَّيْلَ