Skip to content

الفتاوى الكبرى لابن تيمية مسألة في الذنوب الكبائر المذكورة في القرآن والحديث هل لها حد تعرف به

الفتاوى الكبرى لابن تيمية

ابن تيمية

Printed page ٥/ ١٣٤

رَأْيِ الْقَائِلِ وَدُونَهُ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، وَالرَّأْيُ الذَّوْقِيُّ بِدُونِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ لَا يَجُوزُ.

الرَّابِعُ: أَنَّ هَذَا الضَّابِطَ يُمْكِنُ الْفَرْقُ بِهِ بَيْنَ الْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ، وَأَمَّا تِلْكَ الْأُمُورُ فَلَا يُمْكِنُ الْفَرْقُ بِهَا بَيْنَ الْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الصِّفَاتِ لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا لِأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ مَا اتَّفَقَتْ فِيهِ الشَّرَائِعُ وَاخْتَلَفَتْ لَا يُعْلَمُ إنْ لَمْ يَكُنْ وُجُودُ عَالِمٍ بِتِلْكَ الشَّرَائِعِ عَلَى وَجْهِهَا، وَهَذَا غَيْرُ مَعْلُومٍ لَنَا، وَكَذَلِكَ مَا فُسِّرَ بِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ هِيَ مِنْ الْأُمُورِ النِّسْبِيَّةِ وَالْإِضَافِيَّةِ فَقَدْ يَسُدُّ بَابَ الْمَعْرِفَةِ عَنْ زَيْدٍ مَا لَا يَسُدُّ عَنْ عَمْرٍو، وَلَيْسَ لِذَلِكَ حَدٌّ مَحْدُودٌ.

الْخَامِسُ: أَنَّ تِلْكَ الْأَقْوَالَ فَاسِدَةٌ، فَتَقُولُ مَنْ قَالَ إنَّهَا مَا اتَّفَقَتْ الشَّرَائِعُ عَلَى تَحْرِيمِهِ دُونَ مَا اخْتَلَفَتْ فِيهِ، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ الْحَسَنَةُ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ، وَمِنْ السَّرِقَةِ، وَالْخِيَانَةِ، وَالْكَذْبَةِ الْوَاحِدَةِ وَبَعْضِ الْإِحْسَانَاتِ الْخَفِيَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ كَبِيرَةً وَأَنْ يَكُونَ الْفِرَارُ مِنْ الزَّحْفِ لَيْسَ مِنْ الْكَبَائِرِ، إذْ الْجِهَادُ لَمْ يَجِبْ فِي كُلِّ شَرِيعَةٍ، وَكَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ التَّزَوُّجُ بِالْمُحَرَّمَاتِ بِالرَّضَاعَةِ وَالصِّهْرِ، وَغَيْرِهِمَا لَيْسَ مِنْ الْكَبَائِرِ، لِأَنَّهُ مِمَّا لَمْ تَتَّفِقْ عَلَيْهِ الشَّرَائِعُ.

وَكَذَلِكَ إمْسَاكُ الْمَرْأَةِ بَعْدَ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ وَوَطْؤُهَا بَعْدَ ذَلِكَ مَعَ اعْتِقَادِ التَّحْرِيمِ، وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ: إنَّهَا مَا تَسُدُّ بَابَ الْمَعْرِفَةِ، أَوْ ذَهَابُ النُّفُوسِ، أَوْ الْأَمْوَالِ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ الْقَلِيلُ مِنْ الْغَضَبِ وَالْخِيَانَةِ كَبِيرَةً، وَأَنْ يَكُونَ عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَطِيعَةُ الرَّحِمِ، وَشُرْبُ الْخَمْرِ، وَأَكْلُ الْمَيْتَةِ، وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ الْكَبَائِرِ، وَمَنْ قَالَ إنَّهَا سُمِّيَتْ كَبَائِرَ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا دُونَهَا، وَإِنَّ مَا عَصَى بِهِ فَهُوَ كَبِيرَةٌ، فَإِنَّهُ يُوجِبُ أَنْ لَا تَكُونَ الذُّنُوبُ فِي نَفْسِهَا تَنْقَسِمُ إلَى كَبَائِرَ وَصَغَائِرَ، وَهَذَا خِلَافُ الْقُرْآنِ فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢] وَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧] وَقَالَ: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]