Skip to content

الفتاوى الكبرى لابن تيمية مسألة الماء الذي يجري في أرض الحمام من اغتسال الناس

الفتاوى الكبرى لابن تيمية

ابن تيمية

Printed page ١/ ٢٢٣

وَحِكَايَةُ أَبِي يُوسُفَ مَعَ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ مَشْهُورَةٌ، لَمَّا سَأَلَهُ عَنْ مِقْدَارِ الصَّاعِ وَالْمُدِّ، فَأَمَرَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَنْ يَأْتُوهُ بِصِيعَانِهِمْ حَتَّى اجْتَمَعَ عِنْدَهُ مِنْهَا شَيْءٌ كَثِيرٌ، فَلَمَّا حَضَرَ أَبُو يُوسُفَ قَالَ مَالِكٌ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ: مِنْ أَيْنَ لَك هَذَا الصَّاعُ؟ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ كَانَ يُؤَدِّي بِهِ صَدَقَةَ الْفِطْرِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَقَالَ الْآخَرُ: حَدَّثَتْنِي أُمِّي عَنْ أُمِّهَا أَنَّهَا كَانَتْ تُؤَدِّي بِهِ - يَعْنِي صَدَقَةَ حَدِيقَتِهَا - إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ الْآخَرُ نَحْوَ ذَلِكَ، وَقَالَ الْآخَرُ نَحْوَ ذَلِكَ.

فَقَالَ مَالِكٌ لِأَبِي يُوسُفَ: أَتَرَى هَؤُلَاءِ يَكْذِبُونَ؟ قَالَ: لَا، وَاَللَّهِ مَا يَكْذِبُ هَؤُلَاءِ. قَالَ مَالِكٌ: فَأَنَا حَرَّرْت هَذَا بِرِطْلِكُمْ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ فَوَجَدْته خَمْسَةَ أَرْطَالٍ وَثُلُثًا. فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لِمَالِكٍ: قَدْ رَجَعْت إلَى قَوْلِك يَا أَبَا عَبْدَ اللَّهِ، وَلَوْ رَأَى صَاحِبِي مَا رَأَيْت لَرَجَعَ كَمَا رَجَعْت. فَهَذَا النَّقْلُ الْمُتَوَاتِرُ عَنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِمِقْدَارِ الصَّاعِ وَالْمُدِّ.

وَقَدْ ذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ: كَابْنِ قُتَيْبَةَ، وَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى فِي تَعْلِيقِهِ، وَجَدِّي أَبِي الْبَرَكَاتِ إلَى: أَنَّ صَاعَ الطَّعَامِ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ، وَصَاعَ الْمَاءِ ثَمَانِيَةٌ، وَاحْتَجُّوا بِحُجَجٍ، مِنْهَا: خَبَرُ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَغْتَسِلُ هِيَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْفَرَقِ، وَالْفَرَقُ سِتَّةَ عَشَرَ رَطْلًا بِالْعِرَاقِيِّ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الصَّاعَ وَالْمُدَّ فِي الطَّعَامِ وَالْمَاءِ وَاحِدٌ، وَهُوَ أَظْهَرُ وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعِهِ.

وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ مِقْدَارَ طَهُورِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْغُسْلِ مَا بَيْنَ ثَمَانِيَةِ أَرْطَالٍ عِرَاقِيَّةٍ إلَى خَمْسَةٍ وَثُلُثٍ، وَالْوُضُوءُ رُبُعُ ذَلِكَ، وَهَذَا بِالرَّطْلِ الْمِصْرِيِّ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ