شرح العقيدة الطحاوية - صالح آل الشيخ = إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل
قال المؤلف ﵀ بعدها (وإِمَامُ الأتْقِيَاءِ، وسيِّدُ المرسَلينَ)
فكونه ﷺ إماماً يعني أنه يُؤْتَمُّ به.
والأتقياء هم صفوة هذه الأمة.
وفي قوله هذا إبطال لقول من قال: إنّ من الأتقياء من قد يخرج عن الائتمام بمحمد ﷺ كقول بعض غلاة الصوفية من أهل الزندقة الذين رأى بعضهم أنَّهُ يَسَعُهُ الخروج على شريعة محمد ﷺ كما وَسِعَ الخضر الخروج عن شريعة موسى ﵇.
فكل تقي جاء بعده ﷺ فلا يكون تقياً إلا بالإتمام بمحمد ﷺ.
وهذا الإتمام يكون بالإتباع كما قال ﷿ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١] ، وقال ﷿ ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١] .
والأتقياء جمع تقي، والتقي هو من حَصَّلَ التقوى.
والتقوى في القرآن جاءت على ثلاث مراتب:
١ - المرتبة الأولى:
أن يتقي العذاب المؤبد بتحقيق التوحيد؛ بالإتيان بالتوحيد وبنبذ الشرك وتركه، يعني بالإسلام، وهذه هي التي جاءت في مثل قول الله ﷿ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ فخوطب الناس جميعا بالتقوى؛ يعني باتقاء العذاب المُخَلَّدْ بالإيمان بتوحيد الله ﷿ وبترك الشرك والبراءة منه ومن أهله.
٢ - المرتبة الثانية:
أَنَّ المتقي هو الذي يفعل الواجب ممتثلاً ويترك المحرم ممتثلاً، وهذه هي مرتبة المقتصدين الذين جاء فيهم قول الله ﷿ ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر:٣٢] ، من تَرَكَ المحرم امتثالاً وأتى بالواجب امتثالاً فهو من المتقين؛ لأنَّهُ اتَّقَى العذاب، والعذاب يكون يترك الواجب أو بفعل المحرم.
٣ - المرتبة الثالثة:
أن يتقي الله ﷿ بترك صغائر الذنوب وبترك ما به بأس وبترك ما لا بأس به حَذَراً مما به بأس، وهذه هي تقوى الله حق تقاته، كما قال ﷿ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران:١٠٢] ، يعني خُوفُوهُ واحذروه حق الخوف والحذر، وهذه المرتبة إنما هي للسابقين بالخيرات الذين يتركون المكروهات ويَسْعون في كل المستحبات.
قال بعدها ﵀ (وسيِّدُ المرسَلينَ) .
قوله (وسيِّدُ المرسَلينَ) معناه أنه ﷺ هو المقدم في المرسلين وهو أفضلهم؛ لأنَّ السيادة فرع الفضل بكمال الصفات المحمودة في السيد.
(وسيِّدُ المرسَلينَ) من السيادة كما ذكرنا، والسيادة معناها يجمع أموراً، ومنها أن يكون أمره نافذاً وأن يكون المرجع هو.
وهذا إذا قيل في محمد ﷺ (وسيِّدُ المرسَلينَ) بهذا المعنى؛ يعني أنه هو المرجع فبالنظر إلى شيئين:
١ - الأول: قوله ﷺ (أَنَا سَيّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلاَ فَخْرَ) (١) وولد آدم داخل فيهم المرسلون.
٢ - الثاني: أنَّ رجوع الأمر إليه بالنسبة إلى الأنبياء يكون في عَرَصَات القيامة؛ حيث يذهب الناس إلى آدم ثم إلى نوح إلى آخره، ثم يأتون محمدا ﷺ يطلبون منه تعجيل الحساب، فيقول (أنا لها، أنا لها، فيخر تحت العرش فيحمد الله) (٢) إلى آخر الحديث.
وهنا في معنى السيادة كما ذكرنا، في معنى السيادة التفضيل.
ولهذا بَحَثَ الشارح هاهنا ابن أبي العز مسألة التفضيل بين الأنبياء في هذا الموضع؛ لأنَّ من فروع السيادة أو من أسباب السيادة الفضل.
وكون النبي ﷺ سيد المرسلين حق -كما ذكرنا- للدليل وهو قوله ﷺ (أَنَا سَيّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلاَ فَخْرَ) .
إذا تبين ذلك ففي المسألة مسائل: