تقريب فتاوى ابن تيمية
الْعِبَادَةَ؛ كَالصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ وَالْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مَشْرُوعًا عِنْدَ الْمَقَابِرِ كَمَا هُوَ مَشْرُوعٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرُبَّمَا فَضَّلَ بِحَالِهِ أَو بِقَالِهِ الْعِبَادَة عِنْدَ الْقُبُورِ وَالْمَشَاهِدِ عَلَى الْعِبَادَةِ فِي بُيُوتِ اللهِ الَّتِي هِيَ الْمَسَاجِدُ، حَتى تَجِدَ أَحَدهُم إذَا أَرَادَ الِاجْتِهَادَ فِي الدُّعَاءِ وَالتَّوْبَةِ وَنَحْو ذَلِكَ قَصَدَ قَبْرَ مَن يُعَظِّمُهُ؛ كَشَيْخِهِ أَو غَيْرِ شَيْخِهِ، فَيَجْتَهِدُ عِنْدَهُ فِي الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالْخُشوعِ وَالرِّقَّةِ، مَا لَا يَفْعَلُهُ مِثْلُهُ فِي الْمَسَاجِدِ، وَلَا فِي الْأَسْحَارِ، وَلَا فِي سُجُودِهِ للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ.
وَقَد آلَ الْأَمْرُ بِكَثِيرِ مِن جُهَّالِهِمْ إلَى أَنْ صَارُوا يَدْعُونَ الْمَوْتَى وَيسْتَغِيثُونَ بِهِم كَمَا تَسْتَغِيثُ النَّصَارَي بِالْمَسِيحِ وَأُمِّهِ، فَيَطْلُبُونَ مِن الْأَمْوَاتِ تَفْرِيجَ الْكُرُبَاتِ، وَتَيْسِيرَ الطَّلَبَاتِ، وَالنَّصْرَ عَلَى الْأَعْدَاءِ، وَرَفْعَ الْمَصَائِبِ وَالْبَلَاءِ، وَأَمْثَالَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلَّا رَبُّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ.
حَتَّى أَنَّ أَحَدَهُم إذَا أَرَادَ الْحَجَّ: لَمْ يَكُن أَكْثَرُ هَمِّهِ الْفَرْضَ الَّذِي فَرَضَهُ اللهُ عَلَيْهِ، وَهُوَ "حَجُّ بَيْتِ اللهِ الْحَرَامِ"، وَهُوَ شِعَارُ الْحَنِيفِيَّةِ مِلَّةِ إبْرَاهِيمَ إمَامِ أَهْلِ دِينِ اللهِ؛ بَل يَقْصِدُ الْمَدِينَةَ.
وَلَا يَقْصِدُ مَا رَغِبَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ مِن الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِهِ … وَلَا يَهْتَمُّ بِمَا أَمَرَ اللهُ بِهِ مِن الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى رَسُولِهِ حَيْثُ كَانَ، وَمِن طَاعَةِ أَمْرِهِ، وَاتباعِ سُنَّتِهِ، وَتَعْزِيرِهِ وَتَوْقِيرِهِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ أَحَبَّ إلَيْهِ مِن أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ؛ بَل أَنْ يَكُونَ أَحَبَّ إلَيْهِ مِن نَفْسِهِ؛ بَل يَقْصِدُ مِن زِيَارَةِ قَبْرِهِ أَو قَبْرِ غَيْرِهِ مَا لَمْ يَأمُرْ اللهُ بِهِ وَرَسُولُهُ، وَلَا فَعَلَهُ أَصْحَابُهُ، وَلَا اسْتَحْسَنَهُ أَئِمَّةُ الدِّينِ (١). [٤/ ٥١٧ - ٥٢٠]
* * *