تقريب فتاوى ابن تيمية
يَخْلُقُهُ اللهُ مِن ذَلِكَ؛ بَل هُوَ مُشَابِهٌ لَهُ مِن بَعْضِ الْوُجُوهِ، لَيْسَ هُوَ مُسَاوِيًا لَهُ فِي الْحَدِّ وَالْحَقِيقَةِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مُحَرَّمٌ فِي الشَّرْعِ بِلَا نِزَاعٍ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ ذَلِكَ (١).
وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ الَّتِي يَدُلُّ عَلَيْهَا اسْتِقْرَاءُ الْوُجُودِ: مِن أَنَّ الْمَخْلُوقَ لَا يَكُونُ مَصْنُوعًا، وَالْمَصْنُوعُ لَا يَكُونُ مَخْلُوقًا: هِيَ ثَابِتَةٌ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ وَعِنْدَ أَوَائِلِ الْمُتَفَلْسِفَةِ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا فِي الطَّبَائِعِ وَتَكَلَّمُوا فِي الْكِيمْيَاءِ (٢) وَغَيْرِهَا؛ فَإِنَّ اللهَ قَالَ فِي كِتَابِهِ: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦].
وَفِي "الصَّحِيحِ" عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فيمَا يَرْوِي عَنِ اللهِ أَنَّهُ قَالَ: "وَمَن أَظْلَمُ مِمَن ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً فَلْيَخْلُقُوا بَعُوضَةً" (٣).
وَأَهْلُ الْكِيمْيَاءِ مِن أَعْظَمِ النَّاسِ غِشًّا؛ وَلِهَذَا لَا يُظْهِرُونَ للنَّاس إذَا عَامَلُوهُم أَنَّ هَذَا مِن الْكِيمْيَاءِ، وَلَو أَظْهَرُوا لِلنَّاسِ ذَلِكَ لَمْ يَشْتَرُوهُ مِنْهُم إلَّا مَن يُرِيدُ غِشَّهُمْ.
وَقَد قَالَ الْأَئِمَّةُ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمَغْشُوشِ الَّذِي لَا يُعْلَمُ مِقْدَارُ غِشِّهِ وَإِن بَيَّنَ لِلْمُشْتَرِي أَنَّهُ مَغْشُوشٌ.