تقريب فتاوى ابن تيمية
[الطلاق: ٦] فَأَمَرَ بِإِيتَاءِ الْأَجْرِ بِمُجَرَّدِ إرْضَاعِهِنَّ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ عَقْدَ اسْتِئْجَارٍ، وَلَا إذْنِ الْأَبِ لَهَا فِي أَنْ تُرْضِعَ بِالْأَجْرِ.
وَكَذَلِكَ مَن خَلَّصَ مَالَ غَيْرِهِ مِن التَّلَفِ بِمَا أَدَّاهُ عَنْهُ: يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِ؛ مِثْل مَن خَلَّصَ مَالًا مِن قُطَّاعٍ، أَو عَسْكَرٍ ظَالِمٍ، أَو مُتَوَلٍّ ظَالِمٍ، وَلَمْ يُخَلِّصْهُ إلَّا بِمَا أَدَّى عَنْهُ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِذلِكَ وَهُوَ مُحْسِنٌ إلَيْهِ بِذَلِكَ، وَإِن لَمْ يَكُن مُؤْتَمَنًا عَلَى ذَلِكَ الْمَالِ، وَلَا مُكْرَهًا عَلَى الْأَدَاءِ عَنْهُ، فَإِنَّهُ مُحْسِنٌ إلَيْهِ بِذَلِكَ، وَهَل جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إلَّا الْإِحْسَانُ؟
فَإِذَا خَلَّصَ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ بِأَلْفٍ أَدَّاهَا عَنْهُ: كَانَ مِن الْمُحْسِنِينَ، فَإِذَا أَعْطَاهُ الْأَلْفَ كَانَ قَد أَعْطَاهُ بَدَلَ قَرْضِهِ، وَبَقِيَ عَمَلُهُ وَسَعْيُهُ فِي تَخْلِيصِ الْمَالِ إحْسَانًا إلَيْهِ لَمْ يَجْزِهِ بِهِ (١).
هَذَا أَصْوَبُ قَوْلَي الْعُلَمَاءِ.
وَمَن جَعَلَهُ فِي مِثْل هَذَا مُتَبَرِّعًا وَلَمْ يُعْطِهِ شَيْئًا: فَقَد قَالَ مُنْكَرًا مِن الْقَوْلِ وَزُورًا، وَقَد قَابَلَ الْإِحْسَانَ بِالْإِسَاءَةِ، وَمَن قَالَ هَذَا هُوَ الشَّرْعُ الَّذِي بَعَثَ اللهُ بِهِ رَسُولَهُ فَقَد قَالَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِّ، لَكنَّهُ قَوْلُ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ، وَقَد خَالَفَهُم آخَرُونَ.
وَنِسْبَةُ مِثْل هَذِهِ الْأَقْوَالِ إلَى الشَّرْعِ: تُوجِبُ سُوءَ ظَنِّ كَثِيرٍ مِن النَّاسِ فِي الشَّرْعِ، وَفِرَارَهُم مِنْهُ، وَالْقَدْحَ فِي أَصْحَابِهِ (٢).
فَإِنَّ مِن الْعُلَمَاءِ مَن قَالَ قَوْلًا بِرَأيِهِ وَخَالَفَهُ فِيهِ آخَرُونَ، وَلَيْسَ مَعَهُ شَرْعٌ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللهِ؛ بَل الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ قَد تَدُلُّ عَلَى نَقِيضِ قَوْلِهِ.