تقريب فتاوى ابن تيمية
أَحَدُهُمَا: يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهَذَا النَذْرِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأكْثَرِينَ.
وَالثانِي: لَا يَجِبُ وَهُوَ قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ، فَإِنَّ مِن أَصْلِهِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ بِالنَّذْرِ إلَّا مَا كَانَ جِنْسُهُ وَاجِبًا بِالشَّرْعِ.
وَأَمَّا الْأكْثَرُونَ فَيَحْتَجُّونَ بِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١) فِي "صَحِيحِهِ" عَن عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَن نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَن نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللهَ فَلَا يَعْصِهِ" فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ لِكلِّ مَن نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ أَنْ تكُونَ الطَّاعَةُ مِن جِنْسِ الْوَاجِبِ بِالشَّرْعِ، وَهَذَا الْقَوْلُ أَصَحُّ.
وَهَكَذَا النِّزَاعُ لَو نَذَرَ السَّفَرَ إلَى مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ أَنَّه أَفْضَلُ مِنَ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى.
وَأَمَّا لَو نَذَرَ إتْيَانَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لِحَجِّ أَو عُمْرَةٍ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِنَذْرِهِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ.
وَالْمَسْجِدُ الْحَرَامُ أَفْضَلُ الْمَسَاجِدِ، وَيلِيهِ مَسْجِدُ النَّبِيِّ ﷺ، وَيَلِيهِ الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى، وَقَد ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ (٢) عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قَالَ: "صَلاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِن أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ".
وَاَلَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْهَا فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ.
وَقَد رَوَى أَحْمَد وَالنّسَائِي وَغَيْرُهُمَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "أَن الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمِائَةِ ألْفِ صَلَاةٍ" (٣).
وَأمَّا فِي الْمَسْجِدِ الْأقْصَى فَقَد رُوِيَ: "أنَّهَا بِخَمْسِينَ صَلَاةٍ" وَقِيلَ: "بِخَمْسِمِائَةِ صَلَاةٍ" وَهُوَ أَشْبَهُ.