تقريب فتاوى ابن تيمية
وَلَمْ يَكُن الصَّحَابَةُ يَدْخُلُونَ إلَى عِنْدِ الْقَبْرِ، وَلَا يَقِفُونَ عِنْدَهُ خَارِجًا، مَعَ أَنَّهُم يَدْخُلُونَ إلَى مَسْجِدِهِ لَيْلًا وَنَهَارًا.
وَكَانُوا يَقْدمُونَ مِن الْأَسْفَارِ لِلِاجْتِمَاعِ بِالْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَيُصَلُّونَ فِي مَسْجِدِهِ، وَيُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ وَعِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَالْخُرُوجِ مِنْهُ وَلَا يَأْتُونَ الْقَبْرَ؛ إذ كَانَ هَذَا عِنْدَهُم مِمَّا لَمْ يَأْمُرْهُم بِهِ وَلَمْ يَسُنَّهُ لَهُمْ، وَإِنَّمَا أَمَرَهُم وَسَنَّ لَهُم الصَّلَاةَ وَالسَّلَامَ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ وَعِنْدَ دُخُولِهِمْ الْمَسَاجِدَ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَلَكِنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَأْتِيهِ فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَعَلَى صَاحِبَيْهِ عِنْدَ قُدُومِهِ مِن السَّفَرِ، وَقَد يَكون فَعَلَهُ غَيْرُ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا.
فَلِهَذَا رَأَى مَن رَأَى مِن الْعُلَمَاءِ هَذَا جَائِزًا اقْتِدَاءً بِالصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِم، وَابْنُ عُمَرَ كَانَ يُسَلِّمُ ثُمَّ يَنْصَرِفُ وَلَا يَقِفُ، يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللهِ السَّلَامُ عَلَيْك يَا أَبَا بَكْرٍ السَّلَامُ عَلَيْك يَا أَبَتْ ثُمَّ يَنْصَرِفُ.
وَلَمْ يَكُن جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ يَفْعَلُونَ كَمَا فَعَلَ ابْنُ عُمَرَ؛ بَل كَانَ الْخُلَفَاءُ وَغَيْرُهُم يُسَافِرُونَ لِلْحَجِّ وَغَيْرِهِ وَيرْجِعُونَ وَلَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ؛ إذ لَمْ يَكُن هَذَا عِنْدَهُم سُنَّة سَنَّهَا لَهُمْ (١).