Printed page ٢/ ٣٥٦
وسَادِسُهَا -وَهُوَ مِن النُّكَتِ الْبَدِيعَةِ جِدًّا-: أَنَّهُ دَالٌّ عَلَى قُرْبِ صَاحِبِهِ [مِن الله، وأنه لاقترابِه منه وشدَّةِ حضورِه يسألُه مَسْأَلةَ أقربِ شَيءٍ إليه، فيسألُه مَسْألةَ مُنَاجاةِ الْقَرِيبِ] (١) لِلْقَرِيبِ، لَا مَسْأَلَةَ نِدَاءِ الْبَعِيدِ لِلْبَعِيدِ؛ وَلهَذَا أَثْنَى اللهُ عَلَى عَبْدِهِ زَكَرِيَّا بِقَوْلِهِ ﷿: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣)﴾ [مريم: ٣].
فَلَمَّا اسْتَحْضَرَ الْقَلْبُ قُرْبَ اللهِ ﷿، وَأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِن كُل قَرِيبٍ أَخْفَى دُعَاءَ مَا أَمْكَنَهُ.
وَتَأَمَّلْ كَيْفَ قَالَ فِي آيَةِ الذّكْرِ: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ [الأعراف: ٢٠٥] (٢) الْآيَةُ، وَفِي آيَةِ الدُّعَاءِ: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ فَذِكَرَ التَّضَرُّعَ فِيهِمَا مَعًا، وَهُوَ التَّذَلُّلُ وَالتَّمَسْكُنُ وَالِانْكِسَارُ (٣).
وَخَصَّ الدُّعَاءَ بِالْخُفْيَةِ لِمَا ذَكَرْنَا مِن الْحِكَمِ وَغَيْرِهَا، وَخَصَّ الذِّكْرَ بِالْخِيفَةِ (٤)؛ لِحَاجَةِ الذَّاكِرِ إلَى الْخَوْفِ، فَإِنَّ الذكْرَ يَسْتَلْزِمُ الْمَحَبَّةَ ويُثْمِرُهَا؛