تقريب فتاوى ابن تيمية
[الأعراف: ٢٩]، بِخِلَافِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ [الروم: ٣٠].
فَقَوْلُهُ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]؛ أَيْ: دِينَهُ وَإِرَادَتَهُ وَعِبَادَتَهُ، وَالْمَصْدَرُ يُضَافُ إلَى الْفَاعِلِ تَارَةً، وَإِلَى الْمَفْعُولِ أُخْرَى، وَهُوَ قَوْلُهُم: مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْههُ.
وَفِي هَذَا قَوْل آخَرُ يَقُولُهُ كَثِيرٌ مِن أَهْلِ الْعِلْمِ: أنَّ الْوَجْهَ فِي مِثْل قَوْلِهِ: ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ﴾ [البقرة: ١١٢]، و ﴿أَقِمْ وَجْهَكَ﴾ [يونس: ١٠٥]، و ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ [الأنعام: ٧٩]: هُوَ الْوَجْهُ الظَّاهِرُ، كَمَا أَنَّهُ كَذَلِكَ بِالِاتِّفَاقِ فِي قَوْلِهِ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤] وَفِي قَوْلِهِ: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠].
قَالُوا: لَكِنَّ الْوَجْهَ إذَا وُجِّهَ: تَبِعَهُ سَائِرُ الْإِنْسَانِ، وَإِذَا أُسْلِمَ: فَقَد أُسْلِمَ سَائِرُ الْإِنْسَانِ، وَإِذَا أُقِيمَ فَقَد أُقِيمَ سَائِرُهُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُتَوَجِّهُ أَوَّلًا مِن الْأعْضَاء الظَّاهِرَةِ لِلْقَاصِدِ الطَّالِبِ.
لَكِنْ هَل هَذَا مِن بَابِ الْحَقِيقَةِ الْعُرْفِيَّةِ الَّتِي تَقْلِبُ الِاسْمَ مِن الْخُصُوصِ إلَى الْعُمُومِ، أَو الْحَقِيقَةُ اللُّغَوِيَّةُ بَاقِيَةٌ وَهُوَ مِن بَابِ الدَّلَالَةِ اللُّزُومِيَّةِ؟ (١) فِيهِ قَوْلَانِ.