تقريب فتاوى ابن تيمية
فَأَمَرَ بِاتباعِ سُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ.
وَهَذَا يَتَنَاوَلُ الأئِمَّةَ الْأَرْبَعَةَ، وَخَصَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ بِالِاقْتِدَاءِ بِهِمَا، وَمَرْتَبَةُ
الْمُقْتَدَى بِهِ فِي أَفْعَالِهِ وَفِيمَا سَنَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ: فَوْقَ سُنَّةِ الْمُتَّبَعِ فِيمَا سَنَّهُ فَقَطْ.
وَفِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ" (١) أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ كَانُوا مَعَهُ فِي سَفَرٍ فَقَال: "إنْ يُطِع الْقَوْمُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَرْشُدُوا".
أَمَّا الصِّدِّيق: فَإِنَّهُ مَعَ قِيَامِهِ بِأُمُورٍ مِن الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ عَجَزَ عَنْهَا غَيْرُهُ حَتَّى بَيَّنهَا لَهُمْ: لَمْ يُحْفَظْ لَهُ قَوْلٌ مُخَالِفٌ نَصًّا.
هَذَا يَدُلُّ عَلَى غَايَةِ الْبَرَاعَةِ.
وَأَمَّا غَيْرُهُ فَحُفِظَتْ لَهُ أَقْوَالٌ كَثِيرَة خَالَفَت النَّصَّ؛ لِكَوْنِ تِلْكَ النُّصُوصِ لَمْ تَبْلُغْهُمْ. وَاَلَّذِي وُجِدَ مِن مُوَافَقَةِ عُمَرَ لِلنُّصُوصِ أكْثَرُ مِن مُوَافَقَةِ عَلِيٍّ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الصِّدّيقَ اسْتَخْلَفَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ عَمُودُ الْإِسْلَامِ، وَعَلَى إقَامَةِ الْمَنَاسِكِ الَّتِي لَيْسَ فِي مَسَائِلِ الْعِبَادَاتِ أَشْكَلُ مِنْهَا (٢).
وَأَقَامَ الْمَنَاسِكَ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ النَّبِيُّ ﷺ.
وَأَيْضًا: فَالصَّحَابَةُ فِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ لَمْ يَكُونُوا يَتَنَازَعُونَ فِي مَسْأَلَةٍ إلَّا فَصَلَهَا بَيْنَهُم أَبُو بَكْرٍ، وَارْتَفَعَ النّزَاعُ، فَلَا يُعْرَفُ بَيْنَهُم فِي زَمَانِهِ مَسْألَة وَاحِدَةٌ