المصنف - عبد الرزاق - ط التأصيل الثانية
أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ إِلى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَهُوَ جَالِسٌ وَهُوَ مُحْتَبِي (١)، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: يَا (٢) أَبَا (٣) حَسَنٍ، أَخْبِرْنِي عَنِ الْمَشْيِ أَمَامَ الْجَنَازَةِ إِذَا شَهِدْتُهَا، أَيُّ ذَلِكَ أَفْضَلُ أَخَلْفَهَا أَمْ أَمَامَهَا؟ قَالَ: فَقَطَّبَ (٤) * عَلِيٌّ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ! أَمِثْلُكَ يَسْأَلُ عَنْ هَذَا؟ فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: نَعَمْ، وَالله لَمِثْلِي يَسْأَلُ عَنْ مِثْلِ هَذَا، فَمَنْ يَسْأَلُ عَنْ مِثْلِ هَذَا إِلَّا مِثْلِي؟ فَقَال (٥) عَلِيٌّ: وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ، إِنَّ فَضْلَ الْمَاشِي خَلْفَهَا عَلَى (٦) الْمَاشِي أَمَامَهَا، كَفَضلِ صَلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ عَلَى التَّطَوُّعِ، فَقَالَ لَهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: يَا أَبَا حَسَنٍ، أَبِرَأْيِكَ تَقُولُ هَذَا، أَمْ بِشَيءٍ (٧) سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: فَغَضِبَ، ثُمَّ قَالَ: سُبْحَانَ الله يَا أَبَا سَعِيدٍ! أَمِثْلُ هَذَا أَقُولُهُ بِرَأْيِي؟ لَا وَاللَّهِ، بَلْ سَمِعْتُهُ مِرَارًا يَقُولُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ وَلَا اثْنَتَيْنِ وَلَا ثَلَاثَةٍ، حَتَى عَدَّدَ سَبْعَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَوَاللَّهِ مَا جَلَسْتُ جَالِسًا مُنْذُ شَهِدْتُ جِنَازَةً إِلَّا لِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَشَهِدَهَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَجَمِيعُ الصَّحَابَةِ، فَنَظَرْتُ (٨) إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ يَمْشِيَانِ أَمَامَهَا، قَالَ: فَضَحِكَ عَلِيٌّ، وَقَالَ: أَنْتَ رَأَيْتَهُمَا يَفْعَلَانِ ذَلِكَ؟ فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: نَعَمْ، فَقَالَ عَلِيٌّ: لَوْ حَدَّثَنِي بِهَذَا غَيْرُكَ مَا صدَّقْتُهُ، وَلَكِنِّي أَعْلَمُ أَنَّ الْكَذِبَ لَيْسَ مِنَ شَأْنِكَ، يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُمَا، إِنَّ خَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، ثُمَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِالْخَيْرِ أَيْنَ