Skip to content

مدارج السالكين - ط الكتاب العربي فصل الدرجة الثانية إجراء الخبر على ظاهره

مدارج السالكين - ط الكتاب العربي

ابن القيم

Printed page ٢/ ٨٤

إِلَيْهَا. وَطَالِبُ الْمَثُوبَةَ مُتَوَجِّهٌ إِلَى طَلَبِ حَظِّ نَفْسِهِ. وَذَلِكَ شُعْبَةٌ مِنْ عُبُودِيَّتِهَا وَالْمُشَاهِدُ لِلنَّاسِ فِي عِبَادَتِهِ: فِيهِ شُعْبَةٌ مِنْ عُبُودِيَّةِ نَفْسِهِ، إِذْ هُوَ طَالِبٌ لِتَعْظِيمِهِمْ، وَثَنَائِهِمْ وَمَدْحِهِمْ. فَهَذِهِ شُعَبٌ مِنْ شُعَبِ عُبُودِيَّةِ النَّفْسِ. وَالْأَصْلُ الَّذِي هَذِهِ الشُّعَبُ فُرُوعُهُ هِيَ النَّفْسُ. فَإِذَا مَاتَتْ بِالْمُجَاهَدَةِ، وَالْإِقْبَالِ عَلَى اللَّهِ، وَالِاشْتِغَالِ بِهِ، وَدَوَامِ الْمُرَاقَبَةِ لَهُ مَاتَتْ هَذِهِ الشُّعَبُ.

فَلَا جَرَمَ أَنَّ بِنَاءَ أَمْرِ هَذِهِ الطَّائِفَةِ عَلَى تَرْكِ عِبَادَةِ النَّفْسِ.

وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الْخَوْفَ وَطَلَبَ الثَّوَابِ لَيْسَ مِنْ عِبَادَةِ النَّفْسِ فِي شَيْءٍ.

نَعَمْ، التَّزَيُّنُ بِالْمُرَاءَاةِ عَيْنُ عِبَادَةِ النَّفْسِ. وَالْكَلَامُ فِي أَمْرٍ أَرْفَعُ مِنْ هَذَا. فَإِنَّ حَالَ الْمُرَائِي أَخَسُّ، وَنَفْسُهُ أَسْقَطُ، وَهِمَّتُهُ أَدْنَى مِنْ أَنْ يَدْخُلَ فِي شَأْنِ الصَّادِقِينَ وَيُذْكَرَ مَعَ الصَّالِحِينَ. وَاللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.

[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ إِجْرَاءُ الْخَبَرِ عَلَى ظَاهِرِهِ]

فَصْلٌ

قَالَ صَاحِبُ " الْمَنَازِلِ ":

الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ: إِجْرَاءُ الْخَبَرِ عَلَى ظَاهِرِهِ. وَهُوَ أَنْ تَبْقَى أَعْلَامُ تَوْحِيدِ الْعَامَّةِ الْخَبَرِيَّةِ عَلَى ظَوَاهِرِهَا. وَلَا يَتَحَمَّلُ الْبَحْثُ عَنْهَا تَعَسُّفًا. وَلَا يَتَكَلَّفُ لَهَا تَأْوِيلًا. وَلَا يَتَجَاوَزُ ظَوَاهِرَهَا تَمْثِيلًا. وَلَا يَدَّعِي عَلَيْهَا إِدْرَاكًا أَوْ تَوَهُّمًا.

يُشِيرُ الشَّيْخُ ﵀ وَقَدَّسَ رُوحَهُ - بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ حِفْظَ حُرْمَةِ نُصُوصِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ بِإِجْرَاءِ أَخْبَارِهَا عَلَى ظَوَاهِرِهَا. وَهُوَ اعْتِقَادُ مَفْهُومِهَا الْمُتَبَادِرِ إِلَى أَذْهَانِ الْعَامَّةِ. وَلَا يَعْنِي بِالْعَامَّةِ الْجُهَّالَ، بَلْ عَامَّةَ الْأُمَّةِ، كَمَا قَالَ مَالِكٌ ﵀ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] كَيْفَ اسْتَوَى؟ فَأَطْرَقَ مَالِكٌ، حَتَّى عَلَاهُ الرُّحَضَاءُ، ثُمَّ قَالَ: الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ، وَالْكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ.