تفسير الماوردي = النكت والعيون
قريظة في الجاهلية إذا قتلت رجلاً من بني النضير أقادوا من القاتل , وكانت بنو النضير في الجاهلية إذا قتلت رجلاً من بني قريظة لم تَقُد من القاتل وأعطوا ديته ستين وَسْقاً من تمر , فلما أسلم ناس من بني قريظة وبني النضير , قتل رجل من بني النضير رجلاً من بني قريظة فتحاكمواْ إلى النبي ﷺ , فقال النَّضِيِرِيُّ لرسول الله: إنا كنَّا في الجاهلية نعطيهم الدية ستين وَسَقاً من تمر , فنحن نعطيهم اليوم ذلك , وقالت بنو قريظة: نحن إخوان في النسب والدين وإنما كان ذلك عليه الجاهلية وقد جاء الإسلام , فأنزل الله تعالى يعيِّرهم بما فعلواْ ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] , ثم ذكر قول بني النضير ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] ثم أَخَذَ النَّضِيرِيَّ فقتله بالقرظي , فتفاخرت النضير وقريظة ودخلواْ المدينة , فتحاكموا إلى أبي بردة الأسلمي الكاهن , فأنزل الله في ذلك ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمءَامَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ﴾ [النساء: ٦٠] يعني في الحال , ﴿وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ يعني حين كانوا يهوداً. ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ يعني أبا بردة الأسلمي الكاهن , وهذا قول السدي. قوله تعالى: ﴿فَكَيفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةُ. .﴾ الآية في سبب نزولها قولان: أحدهما: أن عمر قتل منافقاً لم يرض بحكم رسول الله ﷺ , فجاء إخوانه من المنافقين يطالبون بدمه , وحلفواْ بالله أننا ما أردنا في المطالبة بدمه إلا إحساناً إلى النساء , وما يوافق الحق في أمرنا. والثاني: أن المنافقين بعد القَوَدِ من صاحبهم اعتذرواْ إلى رسول الله ﷺ في محاكمتهم إلى غيره بان قالواْ ما أردنا في عدولنا عنك إلا توفيقاً بين الخصوم وإحساناً بالتقريب في الحكم دون الحمل على مُرّ الحق , فنزلت هذه الآية. قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ مَا فِي قُلُوبِهِم﴾ يعني من النفاق الذي يضمرونه. ﴿فَأَعْرِضْ عَنهُم وَعِظْهُم﴾ وفي الجمع بين الإعراض والوعظ مع تنافي اجتماعهما في الظاهر - ثلاثة أوجه: أحدها: أعرض عنهم بالعداوة لهم وعِظهم فيما بدا منهم. والثاني: أعرض عن عقابهم وعظهم.