شرح العقيدة الطحاوية - خالد المصلح
حوض النبي ﷺ وثبوته في السنة
ثم قال: [والحوض الذي أكرمه الله تعالى به غياثاً لأمته حق، والشفاعة التي ادخرها لهم حق كما رؤي في الأخبار] .
ذكر المؤلف ﵀ في هاتين الجملتين أمرين من أمور الاعتقاد: الأمر الأول: الحوض، قال المؤلف ﵀: (والحوض الذي أكرمه الله تعالى به غياثاً لأمته حق) أخبر النبي ﷺ بأن الله جعل له حوضاً في عرصات القيامة أي: في فناء القيامة في أرض المحشر، وهذا الحوض من خصائص النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من حيث السعة، وكثرة من يرد عليه، ولكنه جاء ما يدل على أن لكل نبي حوضاً، لكن الحوض الذي أختص به لا يشبهه حوض.
وقد ثبت ذلك بقول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١] فإن الكوثر نهر في الجنة وهبه الله ﷿ لرسوله ﷺ يخرج منه ميزابان يصبان في الحوض الذي يكون في عرصات القيامة، فهذه الآية بها ما يثبت ما ذكره أهل السنة والجماعة من أن النبي ﷺ له حوض يرده أهل الإسلام في عرصات القيامة، وهذا الحوض وصفه رسول الله ﷺ من حيث كثرة من يرد عليه، ومن حيث كثرة آنيته، ومن حيث طوله وعرضه؛ كل ذلك جاء مبيناً في سنة النبي ﷺ.
واعلم أن الحوض الذي وعده الله ﷾ أهل الإسلام يكون قبل الصراط، بل هو أول ما يرد الناس في أرض المحشر؛ لأن الناس يخرجون يوم القيامة في هول عظيم، وكرب شديد، وتدنو منهم الشمس فيصيبهم عطش عظيم، كما قال الله جل وعلا في وصف المجرمين: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم:٨٦] أي: عطاشاً بلغ بهم العطش منتهاه.
قال شيخنا عبد العزيز بن باز ﵀: والظاهر أن هذا الوصف لا يخصهم؛ لأن الجميع يعطشون في أرض الموقف، لكن أهل الإيمان يرون الحوض فيطفأ ظمؤهم، فإنهم إذا شربوا من ذلك الماء لم يظمئوا بعده أبداً.
بخلاف أهل الإجرام فإنهم يردون النار عطاشاً، إذ أنهم لا يسقون من حوضه ﷺ، ولا من حوض غيره من الأنبياء، فيردون النار على هذه الحال التي ذكرها الله جل وعلا (ورداً) أي: عطاشاً.
وما قيل في أن الحوض يكون بعد الصراط لا دليل عليه، بل ظاهر الأدلة في ذكر ما يكون في ذلك اليوم أن ورود الحوض يكون قبل الصراط، بل إن في السنة ما يدل على أنه لا يمكن أن يكون بعد الصراط؛ لأن النبي ﷺ يرى أقواماً من أمته يذادون عن الحوض أي: يمنعون، فيقول ﷺ: (أصيحابي أصيحابي) فتقول الملائكة له: (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فيقول: سحقاً سحقاً) وهؤلاء هم اللذين ارتدوا بعد النبي ﷺ، وهذا لا يمكن أن يكون بعد الصراط فإنه لا يجوز الصراط إلا مؤمن، نسأل الله أن نكون منهم.
المهم أن الحوض ثابت بالكتاب والسنة، وهو مما تواتر به الخبر عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وقول المؤلف ﵀: (أكرمه الله تعالى به) أي: أكرم به محمداً ﷺ (غياثاً لأمته) أي: يغيثهم من هول ذلك الموقف وشدة العطش والكرب فيه.
وقوله: (لأمته) يحتمل أن يكون تخصيصاً فلا يكون الحوض إلا للنبي ﷺ، ويحتمل أن الحوض الذي أكرم الله به نبيه ﷺ خاص بأمته، فلا يرده غير هذه الأمة، إذ أن كل أمة ترد حوض نبيها، فقوله: (لأمته) إما أنه تخصيص للنبي ﷺ دون غيره من الأنبياء، وإما أن يكون تخصيص حوض النبي ﷺ لهذه الأمة، والمعنى الثاني أظهر؛ لأنه جاء في الحديث بأن لكل نبي حوضاً.