Skip to content

شرح زاد المستقنع - الشنقيطي - التفريغ قول: (سبحان ربي الأعلى) في السجود

شرح زاد المستقنع - الشنقيطي - التفريغ

محمد بن محمد المختار الشنقيطي

Printed page ٤١/ ٩

قول: (سبحان ربي الأعلى) في السجود

قال رحمه الله تعالى: [ويقول: سبحان ربي الأعلى] بعد أن فرغ رحمة الله عليه من بيان صفة السجود الفعلية بدأ بما ينبغي على المكلف أن ينتبه له من هدي رسول الله ﷺ القولي، فقد كانت للنبي ﷺ أذكارٌ وأدعية في سجوده، فيُسن للإنسان أن يتأسى برسول الله ﷺ فيها، وهذا الموضع من أبلغ المواضع ذِلةً لله ﷾، وقال بعضهم: إنه من أشرف مواضع الصلاة.

ولذلك ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه من مواطن الإجابة فقال: (أقرب ما يكون العبد من ربه إذا كان ساجداً)، وقال ﵊ في هذا الموضع: (فقمنٌ أن يستجاب لكم) أي: حريٌ أن يستجاب لكم من الله ﷿، وذلك لما فيه من بالغ الذلة لله ﷾.

فيقول: (سبحان ربي الأعلى)، وهذا التسبيح يُعتبر من أذكار السجود الواجبة فيه، ولذلك لما نزل قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] قال ﵊: (اجعلوها في سجودكم).

ولما نزل قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة:٧٤] قال: (اجعلوها في ركوعكم)، وثبت في الحديث الصحيح عنه ﵊ أنه كان إذا سجد قال: (سبحان ربي الأعلى)، وهذا من الدعاء بالمناسبة، فهو في أدنى ما يكون ذلَّة لله، فقابلها بما يكون من صفة العلو لله ﷾، فقال: (سبحان ربي الأعلى)، وفيه ردٌ على من ينفي جهة العلو لله ﷾، وسيأتي إن شاء الله أن هذا الذكر من واجبات الصلاة.

وله أن يدعو بالأدعية التي يريدها من خيري الدنيا والآخرة، فلا مانع أن يسأل الله العظيم من فضله سواء أكان في نافلةٍ أم فريضة.

وقد جاء في الحديث الصحيح عنه ﵊ أنه افتقدته أم المؤمنين عائشة ﵂ وأرضاها، قالت: (فجالت يدي) أي: في حجرتها، وكانت حجرة النبي ﷺ من الضيق بمكان؛ لأن الله اختار له الآخرة، ولم يختر له الدنيا، كان إذا أراد أن يسجد لا يستطيع أن يسجد حتى تقبض عائشة رجليها من أمامه، فتقول: (افتقدته فجالت يدي فوقعت على رجله ساجداً يقول: يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك) فكان من أجمع الدعوات وأفضلها وأعزها وأكرمها أن يسأل الله الثبات على دينه، فجعله في هذا الموضع، فكونه ساجداً بين يدي الله، وكونه في ظلمات الليل التي هدأت فيها العيون، وسكنت فيها الجفون يدل على شرف هذا الموضع، فاختار له هذه الدعوة العظيمة وهي الثبات على الدين، وكان من هديه أن يقول: (يا مقلب القلوب: ثبت قلبي على دينك)، وفي رواية: (صرّف قلبي في طاعتك).

المقصود أن من هدي رسول الله ﷺ الدعاء في السجود، فعلى الإنسان أن يدعو ويسأل الله من فضله.