شرح زاد المستقنع - الشنقيطي - التفريغ
مسألة إذا جاء الإمام الراتب وقد ائتم بالناس غيره
قال المصنف ﵀: [وإن أحرم إمام الحي بمن أحرم بهم نائبه وعاد النائب مؤتماً صح].
إمام الحي هو آكد من غيره، فلو أن إمام الحي استخلف إنساناً مكانه، وتقدم وصلى بالناس، فجاء إمام الحي، فما الحكم؟ قال بعض العلماء: لو أن الناس قدموا رجلاً يصلي بهم لتأخر الإمام، ثم جاء الإمام متأخراً كان من حقه أن يُتِم بالناس، وذلك لقصة أبي بكر ﵁ حينما قُدِّم عند اختصام بني عوفٍ وصُلح النبي ﷺ بينهم، كما في الحديث الصحيح، فتأخر النبي ﷺ، فجاء بلال إلى أبي بكر وأمره أن يصلي، ثم أقام للناس، فتقدم أبو بكر وصلى، وفي أثناء الصلاة جاء النبي ﷺ، وكان أبو بكر ﵁ منشغلاً في صلاته، فنبهه الصحابة إلى ذلك، فالتفت فإذا رسول الله ﷺ، وليس المراد الالتفاف الكامل وإنما كان من خشوعه ﵁ أنه مقبلٌ على صلاته، فالتفت لمكان إحساسه بتسبيح الناس، فإذا به برسول الله ﷺ، أي: رَمَق رسول الله ﷺ فتأخر، فأشار إليه النبي ﷺ أن مكانك، أي: الزم مكانك، فتأخر ﵁ وأرضاه، ثم جاء النبي ﷺ وأتم بالناس.
وقال بعض العلماء: هذه المسألة خاصة بالنبي ﷺ؛ لأن أبا بكر ﵁ قال: ما كان لـ ابن أبي قحافة أن يتقدم على رسول الله ﷺ، واستدل بآية الحجرات قالوا: هذا من خصوصيات النبي ﷺ، فلا يرون أن إمام الحي إذا حضر كان من حقه أن يؤخِّر من كان بدلاً عنه.
وبعضهم يرى أن تقدُّم النبي ﷺ هنا لمكان الاستحقاق في الإمامة، فتقدم أبو بكر لعذر، أو للحاجة وهي تخلف الإمام، وما شُرِع لحاجةٍ يبطل بزوالها، فالشريعة تحفظ الحقوق، فالإمام الراتب الذي رَضِي به الناس أحق، فلما تقدم لحاجة وزالت الحاجة وَجَب أن يُعاد الإمام الراتب، وأكدوا هذا بمرض الوفاة، فإن النبي ﷺ تقدم على أبي بكر ﵁، وائتم أبو بكر بالنبي ﷺ، والناس بـ أبي بكر، وبناءً على هذا قالوا: إن الإمام الراتب من حقه أن يأتي -ولو كان متأخراً- ويُتِم بالناس.
فإن صلى الأول ركعتين وكنا في الظهر، ثم جاء إمام الحي، وقلنا بجواز أن يدخل إماماً في الركعتين الأخريين وتأخر الخليفة، فإنهم قالوا: يبقى المأمومون يتشهدون قياساً على صلاة الخوف، فيُتِم الإمام لنفسه ركعتين، ثم يسلم بالناس؛ لأن لها نظيراً في صلاة الخوف.
والصحيح الذي يقوى أنه ينبغي صيانة صلاة الناس عن التشويش، خاصةً وأن هذا يُحدِث للناس إرباكاً، وكثيرٌ من الناس لا يفقهون، والدليل فيه شبهة، فإن للنبي ﷺ من الخصوصيات ما ليس لغيره، فيقوى القول بتخصيص هذا بالنبي ﷺ، خاصةً وأن أبا بكر ﵁ قال: ما كان لـ ابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي النبي ﷺ.
فهذا يدل على أنه فَهِم أن التقدم المنهي عنه بين يدي الله ورسوله يشمل حتى الصلاة، فاستند إلى دليل، وهذا الدليل من الخاص وليس من العام، فيقوى القول بتخصيص هذا بالنبي ﷺ والاحتياط فيه.
ولذلك الأولى أن إمام الحي يأتي ويدخل مع الجماعة إذا كان مسبوقاً، لكن لو كان الإنسان يرى مشروعية هذا، ويرى أن السنة عامة فله ذلك، فإذا جاء متأخراً قالوا: إنه من حقه أن يفعل ذلك وقالوا: لأن القاعدة: (لا إيثار في القُرَب)، وكونه يصلي بالناس أعظم لأجره من أن يصير مأموماً، فإنه إذا صلى إماماً أفضل له، فقالوا: من حقه أن يتقدم، خاصةً إذا كان يرى ذلك، فالأفضل له إذا كان يرى جواز ذلك أن يتقدم وأن يتأخر الإمام الذي يصلي بالناس مكانه.