شرح زاد المستقنع - الشنقيطي - التفريغ
تفسير قول الصحابي: (أجعل لك صلاتي كلها)
السؤال
قول الصحابي ﵁ للنبي ﷺ: (أجعل لك صلاتي كلها)، هل معناه ترك الدعاء مطلقاً، وجعل الصلاة على النبي ﷺ بدل الدعاء؟
الجواب
الصلاة على النبي ﷺ من أجل القربات وأحبها إلى الله ﷾، وقد أحب الله هذا النبي الكريم محبة جليلة كريمة، أحبه الله فجعله رحمة للعالمين، وأحبه فجعله سيد الأولين والآخرين، قال ﷺ: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر)، وأحبه فصلى عليه من فوق سبع سماوات، وأمر بالصلاة والسلام عليه المؤمنين والمؤمنات، وصلى على من صلى عليه عشر مرات، وأحبه الله وشرفه وكرمه، وقد أقسم أنه بالليل والنهار، وبالعشى والإبكار فقال تعالى: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى:١ - ٥]، فهو مقام ما بلغه أحد، وهذا المقام ما بلغه نبي مرسل قبله ﵊، وهذا من أجل النعم، ولذلك فتح له فتحاً مبيناً، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأتم نعمته عليه وهداه صراطاً مستقيماً، فهو مقام أعطاه الله ﷿ هذا النبي الكريم ليس في الدنيا فحسب، بل في الدنيا والآخرة، وانظر كيف أن الخلائق تحشر فيجعل الله ﷿ له ذلك المقام المحمود الذي يغبطه عليه الأولون والآخرون، فيسجد فيقال له: (يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع) صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
ولعظيم حقه على الأمة أمر الله الأمة بالصلاة والسلام عليه تشريفاً له وتكريماً، فصلى الله عليه وسلم تسليماً، وزاده تشريفاً وتكريماً وتعظيماً، فمحبته كثرة الصلاة والسلام عليه ﵊، وكان بعض السلف إذا ذكر الحديث تغرورق عيناه من الدمع وهو يصلي على رسول الله ﷺ، وقالوا: فضل الله أهل الحديث بكثرة الصلاة على رسوله ﷺ.
فهذه من أجل القربات وأحب الطاعات، وللأسف أنها تركت عند كثير من أهل السنة إلا من رحم الله، بل أحياناً تجد الشخص إذا سمع شخصاً يصلي على النبي ﷺ وضع عليه علامة استفهام، مع أن الصلاة على النبي ﷺ من أجل القربات وأحبها إلى الله ﷾.
ومن صلى على النبي ﷺ مرة صلى الله عليه بها عشراً، فتأمل ماذا يكون في العشر مرات التي يصلي بها، ثم انظر كيف فضله الله وشرفه، فما جعل الشخص يصلي عليه مباشرة، ولكن جعلك تدعو الله وتسأل الله أن يصلي عليه، وتقول: اللهم صل عليه، وهذا فضل من الله شرف به هذا النبي الكريم، حتى إن أم المؤمنين عائشة ﵂ تقول: (ما أرى ربك إلا يسعى فيما يرضيك).
وهذه كلمة عظيمة جداً، فقد عاشت معه ﵇ ورأت أحواله، ورأت كيف يكرمه ربه ويشرفه، ففي عام الحزن ينكسر قلبه صلوات الله وسلامه عليه فيجبر الله كسره، ويعظم أمره، فيسري به ليلة من الليالي من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ويفضله على الأنبياء، ويقدمه على الأصفياء الأتقياء، ثم يرفعه إلى أطباق السماوات السبع الأولى إلى سدرة المنتهى، قال تعالى: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم:١٦ - ١٨] وأي مقام أرفع من مقام أعطاه له الله ﷾!! وأي مقام أعلى من مقام بلغه ﵊ من حب ربه له، والمحبة التي وضعها بين عباده ﷾ لهذا النبي الكريم.
فحقه كبير، فعلينا أن نكثر من الصلاة والسلام عليه، وخاصة يوم الجمعة؛ لأن النبي ﷺ أمر بذلك فقال: (فأكثروا علي من الصلاة فيه)، وكان بعض العلماء يقول: إن على الإنسان أن يستحيي؛ لأن الحديث يقول: (فإن صلاتكم معروضة علي)، فالإنسان ينظر إلى صلاته على النبي ﷺ؛ فإن الإنسان يوم الجمعة قد لا يصلي عليه إلا نزراً قليلاً، فالإنسان يتفكر ويتدبر ويتشرف بالإكثار من الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ، فهي من أجل القربات وأحبها إلى الله.
وحديث كعب ﵁ هذا من أقوى الدلائل -وحسنه غير واحد من العلماء- على فضل الصلاة على النبي ﷺ، ولذلك تجد المكثرين من الصلاة على رسول الله ﷺ تنالهم بركة ذلك، وهذا أمر لمسناه ووجدناه، فما وجدنا محباً لرسول الله ﷺ صادق المحبة مكثراً للصلاة والسلام عليه إلا وجدنا أشرح صدراً، وأثبت جناناً وقلباً، وأشرق وجهاً ونوراً، فتجد عليه نور الطاعة والخير؛ لأنها من أجل الطاعات بعد القرآن، وبعد قول: (لا إله إلا الله)، وليس هناك أشرف ولا أفضل بعد القرآن والباقيات الصالحات من الصلاة على النبي ﷺ، فهي قربة للعبد ووسيلة له بين يدي الله، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة:٣٥]، فهي عمل صالح وقربة إلى الله ﷿، وطلاب العلم ينبغي عليهم أن يكثروا من الصلاة والسلام على النبي ﷺ، ومن أكثر من الصلاة على النبي ﷺ فقد وفق، ويحبه الله ﷿؛ لأن الله يعطي الدنيا من أحب ومن كره، ولكن لا يعطي الدين إلا من أحب، فهذه الخصلة العظيمة الكريمة الشريفة -وهي الإكثار من الصلاة على النبي ﷺ فيها وفاء لحقه ﵊، فهو ﷺ الذي حمل هم وغم الأمة كلها، ويشهد الله من فوق سبع سماوات أنه كان حريصاً عليها، حيث قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]، فهو عزيز عليه عنتكم، ويشهد الله له بفضله.
وانظر إلى رحمته ﵊ حينما اغتم يوماً من الأيام واهتم؛ لأن الله كشف له ما يكون لأمته من الفتن التي تكون في آخر الزمان فأهمه وأغمه، فاشتكى ذلك إلى الله، فأرسل الله إليه جبريل -والله أعلم بما قال وما يقول- فقال: (أقرئ محمداً مني السلام، وقل له: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك أبداً)، فهذا وعد من الله ﷾، وهو يقول سبحانه: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى:١ - ٥]، فهو مقام عظيم لمن ملأ الله قلبه شفقة على هذه الأمة، فرحم هذه الأمة كباراً وصغاراً، وشباباً وشيباً وأطفالاً، ورحم الصغير حتى كان إذا صلى فسمع بكاءه خفف الصلاة صلوات الله وسلامه عليه، ورحم الصغير إذا امتطى ظهره فكان لا يزعجه وهو على ظهره، ورحم الصغير وهو يمر عليه ويسلم تواضعاً منه وكرماً صلوات الله وسلامه عليه، ورحم الكبير، ورحم النساء، ورحم الرجال، وذلك كله بفضل الله وحده لا شريك له.
فالذي يصلي على النبي ﷺ وهو يتأمل آيات القرآن والأحاديث الصحيحة التي فُضل بها ﵊ على غيره من الأنبياء، وفُضل بها على غيره من ولد آدم صلوات الله وسلامه عليه يعرف حينما يقول: (اللهم صل على محمد) من هو هذا النبي الكريم الذي يصلي عليه، فتصلي على النبي ﷺ وأنت تستشعر منزلته ومكانته، ولا تترك هذه السنن لمن لا يحسن التعامل مع هذه النصوص، ولذلك هجر بعض طلاب العلم ذلك -أصلحهم الله- حتى استغله من يغلو ومن يجهل، بل ينبغي على أهل السنة أن يكونوا أحرص على ذلك، فقد كان الإمام مالك ﵀ لا يحدث بحديث رسول الله ﷺ إلا إذا طيب مجلسه، وكان إذا جاءه الناس يقرعون بابه تسأل الخادمة والأمة: أتريدون الفتوى والفقه؟ فإن قالوا: نريد الفتوى والفقه خرج إليهم، أو جلس لهم وأفتاهم، فإذا قالوا: نريد حديث رسول الله ﷺ وتطيب وتوضأ وجلس على أريكة لا يجلس عليها إلا إذا حدث عن رسول الله ﷺ؛ إجلالاً وإكراماً لهذا الحديث.
وخرج ذات يوم فسأله أحد طلابه عن حديث فقال: ما كنت أظنك بهذه المنزلة أتسألني عن حديث رسول الله ﷺ وأنت تمشي! إجلالاً لحديث رسول الله ﷺ، فيريد أن يحدث على أجمل وأطيب الحالات توقيراً لحديث رسول الله ﷺ.
فالواجب علينا محبته ﵊ محبة صادقة في قلوبنا، ومحبة صادقة في أقوالنا وأفعالنا تدعونا إلى الاتباع، فالمحبة شيء والاتباع شيء آخر، فإن المحبة تعين على الاتباع، فهناك فرق بين المحبة والاتباع، لكن المحبة الصادقة أن تتبع، أما نقول: المحبة هي الاتباع من كل وجه فلا؛ لأن النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (جاءه أعرابي فقال: يا رسول الله! الرجل يحب القوم ولما يعمل بعملهم -أي: لم يحصل منه الاتباع الكامل- فقال له: أنت مع من أحببت)، فأثبت المحبة، والمحبة شعور في القلب، وكان الصحابة ﵃ يحبونه حباً أعز من أنفسهم التي بين جنوبهم، وهذا أمر فطري جبلي، وهو أن يكون عند الإنسان شعور هذا النبي الكريم، وأدب مع النبي ﷺ وتوقيره وإجلال، ومن ذلك أن نكثر الصلاة والسلام عليه.
ومعنى الحديث أن يكثر من الصلاة والسلام على النبي ﷺ في أحواله، أي: يصبح يكثر من الصلاة على النبي ﷺ، ويختار هذا الذكر الذي يحبه الله ﷿ ويرضاه، فيجعل له صلاته كلها، فمن المعروف أن الشرع خير المسلم بين الأذكار والطاعات، فمن اختار الصلاة على النبي صلى