Skip to content

شرح زاد المستقنع - الشنقيطي - التفريغ حكم الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم

شرح زاد المستقنع - الشنقيطي - التفريغ

محمد بن محمد المختار الشنقيطي

Printed page ٣١٢/ ١٩

حكم الاحتفال بمولد النبي ﷺ

السؤال

اعتنى بعض الناس في ليلة الثاني عشر من ربيع الأول بالاحتفال بذكرى مولد النبي ﷺ، فما الحكم في ذلك؟

الجواب

لم يثبت في كتاب الله ولا في سنة النبي ﷺ ما يدل على مشروعية المولد، بل هذه أمور أحدثت، فما فعلها رسول الله ﷺ، ولا فعلها أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي، ولا فعلها أهل القرون المفضلة، وقد مرت أربعمائة سنة ما فعل أحد منهم المولد، وهذا أمر لا نقوله نحن، فمن أراد أن يبحث ويطلع فله ذلك.

فإن قال قائل: إنه عبادة، فنقول: إن الله ﷿ يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، وهذا رسول الأمة ﵊ تمر عليه أيام مولده في سنواته كلها، فما عظم ليلة منها يوماً من الأيام، ولا ثبت عنه ﵊ أنه عظم ليلة واحدة، فإما أن نكون كرسول الله ﷺ، أو أن نعتقد أننا خير من رسول الله ﷺ، أو نستدرك على رسول الله ﷺ والعياذ بالله.

وإذا كان الاحتفال قربة وطاعة فلماذا لم يفعله ﵊؟ ومن فعله فاسألوه؛ لأنه لا نستطيع أن نفتي الناس أن يفعلوا أشياء ثم نقف بين يدي الله نسأل عنها.

نحن نقول: إنه غير مشروع؛ لأننا لم نجد في كتاب الله ولا في سنة النبي ﷺ، ولا في هدي السلف الصالح شيئاً من هذا، فإذا لم نجد شيئاً من هذا فإننا نعتقد اعتقاداً جازماً أن هذا الأمر بدعة وحدث أُحدث في دين الله ﷿.

والعجب أنك تجد البعض يحافظ على ليلة المولد ويحافظ على حضورها وخشوعها ربما أكثر من خشوعه في صلاته وعبادته! وربما يعتقد في فضائل هذه الليالي ما لا يفعله في العشر الأواخر من رمضان، وربما يُنفق الرجل على إطعام الطعام وعلى الذبائح وغيرها، مع أنه لو جاءه رجل من آل بيت رسول الله ﷺ في مسغبة -كما ذكر بعض المشايخ رحمة الله عليهم- يعرض عليه أنه محتاج لما أقرضه.

فهذا أمر ينبغي أن ينتبه له، نحن لا نحتكم للدين بالعواطف، ولا نحدث بآرائنا ولا بأهوائنا، ولكن دين وشرع ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام:١٥٣]، فنحن مأمورون باتباع ومأمورون باقتداء، وهذا شيء تعبدي لا يجوز أن يزيد فيه الإنسان ولا أن ينقص.

والنبي ﷺ نحبه محبة ترضي ربنا، ونحبه محبة تدعونا إلى متابعته وتجريد هذه المتابعة، فنؤثره ﵊ على أنفسنا وأهلينا، وعلى أهوائنا وآرائنا.

فانظر رحمك الله إلى كتاب ربك وسنة نبيك ﷺ، فما وجدت فيهما فالتزمه، وما خالفهما فاتركه، ولو جرى عليه أهواء الناس، ولو جرت عليه عادة الناس، والذي ندين الله ﷿ به أن النبي ﷺ ما فعل هذا الشيء.

وعلى هذا: فإنه لا يشرع فعله، ولا يجوز للمسلم أن يحدث في دين الله؛ لأن النبي ﷺ قال: (عليكم -أي: الزموا- بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور)، ولذلك قال قبلها: (إنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً)، فأمرهم ﵊ في هذا الاختلاف أن يرجعوا إلى سنته ﷺ، فالواجب الاحتكام إلى هذه السنة وإلى هديه ﵊.

وقد ثبت عنه ﵊ أنه صام يوم الإثنين وقال: (ذاك يوم ولدت فيه وأحب أن أصومه)، فمن أراد أن يشكر نعمة الله ﷿ عليه أن جعله تابعاً لهذا النبي الكريم ﵊؛ فليشكرها بما ورد، وليتبع ولا يبتدع، فيصوم يوم الإثنين.

لكن هل كان مولد النبي ﷺ يوم الإثنين الموافق للثاني عشر من ربيع الأول؟ لم يخص الرسول اثنيناً معيناً، وهذا أمر ينبغي أن ينتبه له؛ لأنه قد يقول قائل: النبي ﷺ فعل المولد؛ لأنه صام يوم الإثنين، فنقول: لا، النبي ﷺ -أولاً- ما خص اثنيناً معيناً، فهذا أصل عندنا ودليل على عدم جواز تخصيص ليلة مولده ﵊.

ثانياً: أن النبي ﷺ لما صام بين طريق الشكر، فقطع الطريق على من يقول: نحن نفعل المولد شكراً لله ﷿ على النعمة؛ لأنك أمام أحد أمرين: إما أن النبي ﷺ صام وشكر ربه على أتم الوجوه وأكملها وهو يقول: (إني أرجو أن أكون أخشاكم لله وأتقاكم)، وإما -وحاشاه- أن يكون دون ذلك وجئنا نكمله، فهو ﵊ صام الإثنين، وصيام الإثنين دل على أن الشكر لهذه النعمة يكون بهذه الطريقة وبهذه الكيفية، فتصوم هذا اليوم، لكن لا تخصه بيوم معين من الآن.

ولماذا لا نخصه؟ لأنه ليس في الإسلام إلا عيدان: عيد الأضحى وعيد الفطر، ولو أن الأمة جعل لها يوم مخصص ليوم نبيها لضلت؛ ولذلك أغلق هذا الباب، وجُعل يوم الإثنين من سائر أيام السنة، ونحن نحمد الله ﷿ ونشكره أن شرفنا وكرمنا، فليست هناك نعمة أعظم من نعمة الإسلام، ومن أزكى وأعظم ما يكون أن يختار الله لك أشرف الرسالات وأفضل الرسالات وأفضل الأنبياء، اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلالك.

فهذه النعمة لا يستطيع الإنسان أن يقدرها حق قدرها إلا بتوفيق من الله ﷾.

ومما زادني شرفاً وتيهاً كدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي في ندائك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا صلوات الله وسلامه عليه، والله إننا نحبه محبة تجري في دمائنا وعروقنا، ولا نعتقد أن هذا ينقص من مكانته أبداً؛ بل ينبغي علينا أن نعتقد اعتقاداً جازماً أنه لا سبيل للجنة إلا بمحبته ومتابعته ﵊ أبداً؛ لأن الله أحبه، وهذا الفضل الذي خصه الله ﷿ به.

ووالله لو أن الإنسان رزق من العلم والبصيرة ما يتأمل فيه آيات الكتاب في إجلال الله لهذا النبي ﷺ وحبه له وإكرامه له ﵊، لوجد شيئاً يكاد يصل به إلى درجة عظيمة من المحبة لهذا النبي ﷺ تكفينا عن كثير من الأشياء والمحدثات.

فتأمل كتاب الله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى:٥]، ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة:١٤٤] تقول عائشة ﵂ في الحديث الصحيح وهي الصديقة بنت الصديق ﵂ وعن أبيها: (ما أرى ربك إلا يسعى فيما يرضيك)، أي مقام وصل إليه أحد مثل هذا المقام الذي شرف الله به نبيه ﵊؟ ثم مع هذا كله إذا عاتبه سبحانه يعاتبه ويجعل العفو قبل المعاتبة: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٣]، فقال: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ [التوبة:٤٣] قبل أن يقول له: ﴿لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٣] إكراماً لنبيه، وإشعاراً لنا بأن نقدره ونوقره ﵊ ونملأ قلوبنا بحبه وإكرامه.

ولو لم يكن فيها إلا قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]، حتى إنه ﵊ يبيّن هذا الفضل الذي خصه به ربه ويقول: (أنا رحمةٌ مُهداة)، فيا له من مقام! ويا لها من منزلة! نحن نحب النبي ﷺ، ونعتقد بأن عندنا بينات من كتاب الله وسنة النبي ﷺ تعرفنا بقدره، وتعرفنا بحقه ومنزلته، فإن الله لم يخاطبه باسمه المجرد: يا محمد! بل قال: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ [المائدة:٤١] ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ [الأنفال:٦٤].

وعندما يعاتبه -كما ذكرنا- يقول: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ [عبس:١ - ٣] حتى إنك عندما تقرأ الآية لا تدري من الذي عبس، فلم يقل له: عبست؛ بل قال: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ [عبس:١ - ٤]، ثم تأتي آيات القرآن كلها تشريفاً لهذا النبي في دلالاتها وسياقاتها تدل على مقامه وعلو شأنه ﵊.

فكل مؤمن يعتقد هذا اعتقاداً جازماً، ولا يظن أحد أن من يقول بأن المولد بدعة أن معناه: أنه انتقص مقام النبي ﷺ، أو مس حرمة النبي ﷺ، أو أنه يكره النبي ﷺ لا.

فإن هذا هو الغلو.

ومن محبتنا لرسول الله ﷺ: أننا نريد أن نتبع وأن نسير على نهج علمنا العلم الجازم أنه لا يرضى ﵊ ولا يرضى ربه الذي أرسله إلا بهذه المثابة: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام:١٥٣]، وأدب الله نبيه على الاتباع فقال له: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ [الزخرف:٤٣]، فلا زيادة ولا نقص، فلا يجوز للمسلم أن يزيد، ولا يجوز له أن ينقص، ولا يجوز له أن يبدل.

نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا محبته، وأن يحشرنا في زمرته.

وأوصي طلاب العلم -إذا نبهوا الناس- بأمر مهم جداً وهو: أننا ننصح الناس بالتي هي أحسن، ولا ننفر، فينبغي أن نبين الحق وأن نبين السنة والبدعة، ولكن ينبغي أن لا يغلو الإنسان في نصح الغير وتوجيههم؛ لأنك إذا كنت صاحب سنة فينبغي أن يظهر حبك للسنة ولرسول الله ﷺ من خلال أساليبك وطريقة توجيهك وإرشادك، فكم من أناس رأيناهم وهم يتمسكون بأمور يظنون أنها سنة، والله يعلم من قرارة قلوبهم أنهم يريدون الخير، فلما نصحناهم ووجهناهم عدلوا عن ذلك.

ووالل