Skip to content

شرح زاد المستقنع - الشنقيطي - التفريغ بيان أن الإيلاء لا يكون إلا بحلف الزوج بالله تعالى أو صفته

شرح زاد المستقنع - الشنقيطي - التفريغ

محمد بن محمد المختار الشنقيطي

Printed page ٣١٢/ ٤

بيان أن الإيلاء لا يكون إلا بحلف الزوج بالله تعالى أو صفته

قال ﵀: [وهو حلف زوج بالله تعالى].

قوله: (وهو) أي: الإيلاء (حلف زوج) أي: حقيقته عندنا معشر الفقهاء: أنه حلف زوج، فالإيلاء لابد فيه من اليمين والقسم.

ولذلك جاء في قراءة أُبي وفي قراءة لـ ابن عباس ﵄: (للذين يقسمون) بدل ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾ [البقرة:٢٢٦]، فدل على أن المراد بالإيلاء القسم.

وقوله: (حلف زوج)، يدل على أن الإيلاء لا يكون إلا من زوج، فلا يكون الإيلاء من زوجة؛ لأن الزوجة لا تملك الطلاق، والإيلاء يتركب منه الطلاق.

ويدل أيضاً على أن الحلف على الأجنبية لا يتحقق به الإيلاء، فلو قال لامرأة أجنبية: والله لا أطؤك سنة، لم يكن مولياً، وفي مخاطبة الأجنبية بمثل هذا -ما لم تكن هناك دوافع أو مبررات شرعية- إذا رفع إلى القاضي عزره وعاقبه؛ لأن هذا فيه مساس بحرمة الناس.

وقد اختلف العلماء في تعليق هذا الحلف على الزواج، فقال بعض العلماء: إذا علقه على زواجها فإن الإيلاء يتعلق كما يتعلق الطلاق في قوله: إن نكحتك فأنت طالق، وإن تزوجتك فأنت طالق، وإن زُوِّجت منك فأنت طالق، وإن تزوجتني فأنت طالق.

وقد تقدم معنا شرح هذه المسألة، وبينا أن الصحيح أن الطلاق لا يقع؛ لأن الله تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب:٤٩]، فجعل الطلاق من الناكح، ومن لم ينكح فليس له أن يطلق فيكون كلامه لغواً.

وأكدت هذا السنة فيما صح عنه ﵊ أنه قال: (إنما الطلاق لمن أخذ بالساق)، وجاء في الحديث الآخر وهو حديث صحيح قال ﵊: (لا طلاق فيما لا يملك)، فإذا كان الطلاق لا يقع إذا كان معلقاً على الزواج من الأجنبية، ففرعه أن الإيلاء لا يقع.

وقال بعض العلماء: الأصل أن التعليق يوجب المؤاخذة، فلما سقط في الطلاق بالدليل بقي الإيلاء على الأصل، فلو قال لها: إن تزوجتك فإني والله لا أطؤك سنة أو لا أطؤك ستة أشهر، فحينئذٍ قالوا: يكون إيلاءً.

وهذا الوجه الثاني له قوة من حيث الأصل.

قوله: (بالله تعالى أو صفته).

الحلف لا يكون إلا بالله، أو بأسمائه وصفاته؛ لأن النبي ﷺ قال: (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت)، فدل هذا الحديث الصحيح على أنه لا يجوز للمسلم أن يحلف بغير الله ﷿، وقد عظم هذا رسول الله ﷺ حتى قال في الحديث الصحيح: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك).

فالحلف نوع من العبادة، والعبادة لا يجوز صرفها إلا لله وحده لا شريك له، ولذلك يتضمن الحلف تعظيم المحلوف به.

ولو قال قائل: كيف يكون هذا والله قد حلف وأقسم بالمخلوقات؟ ف

الجواب

أن لله تعالى أن يقسم بما شاء من خلقه لحكمة يعلمها سبحانه ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد:٤١].

وهل كل شيء جاز لله ﷿ يجوز للمخلوق؟! فالله له الحق، وله أن يقسم بما شاء وكيف شاء ومتى شاء ﴿يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد:٤١]، وليس على المخلوق إلا أن يطيع ربه ويلتزم بشرعه، وحلف الله ﷿ بما حلف من مخلوقاته لتنبيه عباده وتعظيم نعمته ومنته.

وقال بعض العلماء: إن قسم الله ﷿ وحلفه بمخلوقاته يزيد من الإيمان به ﷾؛ لأن المعرفة بحقيقة هذه المخلوقات وعظمة خلقها يدل على عظمة الخالق ﷾، وهو تعظيم للخالق ﷻ، فمن تأمل قول الله ﷿: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [الليل:١ - ٢] دخل الإيمان في قلبه، ووقر اليقين في فؤاده، وازداد تعظيماً لله ﷻ.

وعلى كل حال: ذكرنا أنه لا تنعقد يمين الإيلاء إلا بالله؛ لأن الإيلاء تصرف قولي تترتب عليه الأحكام الشرعية، والأحكام الشرعية لا تترتب على الأيمان المحرمة شرعاً؛ لأن هذا النوع من الأيمان ساقط وغير معتد به شرعاً.

فعلى كل حال: لابد أن يكون القسم بالله ﷿ أو بصفة من صفاته.