شرح زاد المستقنع - الشنقيطي - التفريغ
التصريح والتعريض في الخطبة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف ﵀: [ويحرم التصريح بخطبة المعتدة من وفاة والمبانة دون التعريض] بعد أن بين ﵀ أحكام النظر، بقيت الخطبة وبقيت الأحكام المتعلقة بها، وخطبة النكاح كلماتٍ تذكر ليُعرب بها عن الرغبة في المرأة ومحبة الزواج منها، وهذه الكلمات تكون على وجهين: الوجه الأول: ما يكون خطبة سابقة للعقد على وجه التعريض.
والوجه الثاني: ما يكون خطبة سابقة للعقد على وجه التصريح، وقد يكون في العقد.
فأما بالنسبة للتعريض والتصريح فهذه هي جملة من الكلمات التي يقولها الرجل أو يقولها وكيله أو يقولها وليه، فيقول الرجل لولي المرأة: إني أرغب في الزواج من فلانة، فهذه خطبة وتعتبر خطبة صريحة، والصريح: هو اللفظ الذي لا يحتمل معنى غيره، وكذلك يسمى النص في الدلالات عند الأصوليين في قول الجمهور، والحنفية يسمونه صريحاً، فاللفظ الصريح: هو الذي لا يحتمل معنى غيره، فالرجل إذا قال لولي المرأة: إني أرغب في الزواج من فلانة، فقوله: في الزواج منها، صريح في محبته لنكاحها ورغبته فيها، فإذا أجاب الولي: قبلنا زواجك منها، أو نرضى زواجك منها، أو نرغب في زواجك منها، فهذا أيضاً إجابة للخطبة بالإيجاب وعكسه السلب إذا قالوا: لا نرغب أو هي مخطوبة أو نحو ذلك مما يقصد منه الصد، فاللفظ الذي يستخدم في الدلالة والرغبة في المرأة يأتي على وجهين: إما صريحاً كقوله: أرغب في نكاحكِ -يخاطب المرأة- وفي الزواج منكِ، وإما أن يكون تعريضاً؛ والتعريض ذكر العلماء أنه يأتي على صور أشار إلى جملة منها شيخ الإسلام ﵀ قال: من الخطبة بالتعريض أن يذكر صفات نفسه، ومثل لذلك بهدي رسول الله ﷺ حينما خطب أم سلمة ﵂ وأرضاها، فذكر أنه رسول الله، وأنه خيرته من خلقه، وأن مكانه من قومه لا يخفى عليهم، فاعتبره تعريضاً وكأنه ينبهها على رغبته ﷺ فيها.
والوجه الثاني من التعريض: أن يذكر محاسن المرأة وفضل المرأة، مما يدل على أن مثلها لا يفرط فيه، وأنها كريمة لا تضيع على مثله ونحو ذلك مما لا يصرح فيه باللفظ، فيقال: مثلكِ لا يعدل عنه، مثلكِ يرغب فيه، فهذا اللفظ وأمثاله يعتبر من التعريض، فهنا لفظ بالتصريح ولفظ بالتعريض.
شرع ﵀ في بيان أحكام لفظ الخطبة، وخطبة النكاح اختلف العلماء ﵏ فيها على قولين مشهورين: القول الأول لجمهور أهل العلم ومنهم الأئمة الأربعة ﵏: أن الخطبة ليست بواجبة، وذهب طائفة من أصحاب داود الظاهري رحمة الله على الجميع إلى القول بوجوبها، ومذهب الجمهور هو أصح القولين؛ لأن النبي ﷺ ثبت عنه في نكاح الواهبة نفسها أنه لم يذكر الخطبة في تزويجه للواهبة من الرجل، وإنما قال: (أنكحتكها بما معك من القرآن) قالوا: فدل على أن الأفضل والأكمل اتباع هدي النبي ﷺ، وأن ذلك على الندب والاستحباب وليس على الحتم والفرضية والإيجاب.
وعلى هذا فإن الخطبة مسنونة مستحبة لما فيها من ذكر الله ﷿، ولما فيها من التأسي برسول الله ﷺ والاقتداء به، ولفظها يستحب في قول جمهور العلماء أن يكون بخطبة الحاجة الثابتة في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ وأرضاه: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
ثم يذكر الآيات: آية آل عمران: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
وآية النساء: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
ثم يختم بالآية الثالثة وهي آية الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
فهذه الكلمات هي المسنونة المستحبة أن تقال.
وأما ما يعتاده البعض من التكلف في الكلمات والزيادة في هذه الخطبة، وإيهام العامة أن لخطبة النكاح شيئاً زائداً عن هذا الوارد عن رسول الله ﷺ مع الالتزام، ولربما لا تخلو بعض هذه العبارات من كلمات فيها تنطُّع وخروجٌ عن السنن، فذلك مما لم يثبت به شيء في الشرع، والدين يسر وسماحة، فهذه الخطبة الواردة عن رسول الله ﷺ كافية في تحقيق المقصود، ثم يشرع في بيان ما يريده من خطبة المرأة ونكاحها.
قال ﵀: [ويباحان لمن أبانها دون الثلاث كرجعية]: يقول ﵀: (ويباحان): الإباحة: الجواز، يقال: هذا شيء مباح إذا أحله الله، واستوى طرفاه، فلم يُحَرَّم ولم يؤمر به، وحينئذٍ يكون في مرتبة الإباحة.
وقوله: (يباحان): أي: يباح التصريح والتعريض.
بالنسبة لمسألة التصريح والتعريض تختلف بحسب اختلاف حال المرأة، فإن كانت المرأة خِلواً ليست بذات زوج وليست بمعتدة، فإن له أن يصرح، وله أن يعرِّض إذا رأى أن المصلحة أن يبتدئ بالتعريض قبل التصريح، فيباح التصريح ويباح التعريض إذا كانت المرأة خِلواً من الرجال، وليست بمعتدة لا من عدة طلاق ولا من عدة وفاة، وأما إذا كانت المرأة معتدةً، فحينئذٍ لا تخلو عدتُها من حالتين: الحالة الأولى: أن تكون معتدةً من طلاق.
والحالة الثانية: أن تكون معتدة من غير طلاق، كمن توفي عنها زوجها.
فأما التي تعتد من الطلاق فلا تخلو عدتها من ضربين: إما أن تكون عدتها عدة رجعية، فإذا كانت معتدة عدة رجعية حرم التصريح والتعريض؛ لأن المرأة في حال عدتها الرجعية تكون في حكم الزوجة، قال الله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحاً﴾ [البقرة:٢٢٨] وللزوج في هذه الحالة أن ينبهها أو يبين رغبته في عودتها إليه تصريحاًً وتعريضاً؛ لأنها لم تخرج عن عصمته بالكلية، وله حق الرد.
وأما الضرب الثاني: وهو أن تكون مطلقةً طلاقاً بائناً بينونةً صغرى أو بينونةً كبرى، فإنه يحل أن يعرِّض بخطبتها فيقول: إني في مثلِكِ راغب، مثلُكِ يُرْغَب فيه، هذا بالنسبة للتعريض، أما التصريح: فلا يجوز أن يصرح لامرأة معتدة حتى ولو كانت من عدة وفاة، فالتصريح لا يجوز أن يكون لا في عدة الطلاق ولا في عدة الوفاة ولا في عدة الفسخ، وإنما يختص التعريض بالطلاق البائن، قال تعالى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ﴾ [البقرة:٢٣٥] فأباح الله ﷿ التعريض بخطبة النساء، وهذا في حال إذا كانت العدة للمرأة من طلاق بائن.
وأما بالنسبة للتصريح فإن منطوق الآية الكريمة يبيح التعريض، ومفهوم الآية الكريمة يحرم التصريح؛ لأن الله يقول: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة:٢٣٥]، فقوله تعالى: (وَلا جُنَاحَ) هذا من صيغة الإباحة، وعند علماء الأصول: أن لا جناح ولا حرج -نفي الحرج والجناح- من صيغ الإباحة، كأن الله يبيح ويحل لعباده في حال رغبة الرجل في المرأة وهي معتدة من زوجها إذا كانت في عدتها أن يعرِّض ويقول: إني في مثلِكِ راغب، فقال: ﴿فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة:٢٣٥] فقوله: (فِيمَا عَرَّضْتُمْ) مفهوم ذلك: أن الجناح والحرج في التصريح، وحكى بعض أهل العلم الإجماع على حرمة التصريح بخطبة المرأة وهي معتدة، سواءً كانت من طلاق أو من وفاة أو من فسخ وخلع.
قال ﵀: [ويحرمان منها على غير زوجها]: مفهوم ذلك: أن الزوج إذا كانت زوجته معتدة منه، أنه يحل له أن يصرح ويحل له أن يعرِّض، وذكر بعض العلماء أن المنع من التصريح لما فيه من إفساد المرأة على زوجها، وإحداث الضغائن؛ لأن المرأة تنصرف إلى زوجها خاصةً في حال كونها مطلقةً طلاقاً رجعياً، فالمعتدة من طلاقٍ رجعي مقصود الشرع بعدتها أن يعيد كلٌّ منهما النظر حتى يفيء إذا رأى الخير في الفيء، كما قال الله تعالى: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ [الطلاق:١]، فهذا مقصودٌ عظيم، أو يتفرقا فيغني الله كلَّاً من سعته.
مَن تأمل حكمة الشرع والمعاني التي تنبني على تشريع هذه العدة للمطلقة الرجعية، والأحكام التي قررها الإسلام لمثلها علم أنه لا أحسن من الله حكماً لقومٍ يوقنون، فهذه حكم عظيمة، فكون هذا الغريب يدخل بين الزوج وزوجته ويصرِّح لها، فلا يبعد أن تُفْسَد النساء، وتحدثُ الضغائن، وتتشتت الأسر، وقد تكون الزوجة ذات عيال والرجل يرغب أن يعود إلى عياله، وإنما يريد أن تتريث المرأة في عجلتها، وأن تعيد النظر في تصرفاتها لعلها أن تتأدب بهذه الطلقة، فإذا بالغريب يهجم بالتصريح فيغريها أن تنزع عنه وتنصرف عنه، فهذا كله يفسد ما قصد الشرع إصلاحه، ويبدد ما قصد الشرع جمعه، فحينئذٍ أجمع العلماء -كما حكى بعض أهل العلم- على أنه لا يجوز التصريح للمطلقة طلاقاً رجعياً لهذا المعنى.
وقد استعمل النبي ﷺ التعريض كما سبقت الإشارة إليه في حديث أم سلمة ﵂، وقول جماهير العلماء على مشروعيته في الأحوال التي أذِنَ الشرع بها في العدة من الطلاق أو من الوفاة على التفصيل الذي تقدمت الإشارة إليه.