شرح زاد المستقنع - الشنقيطي - التفريغ
فضل قيام الليل
السؤال
في قوله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٧ - ١٨] هل يُشترط قضاء وقت الليل بالصلاة للدخول في هذا الوصف؟ ولو عكف طالب العلم معظم الليل على طلب العلم فهل يدخل في هذا الوصف؟
الجواب
هذه الآية الكريمة اشتملت على خصلة جليلة عظيمة جعلها الله للأنبياء والأخيار والصالحين، فما من عبدٍ يفتح الله عليه باب قيام الليل إلا فَتح له أبواب الرحمات، فهو شأن الصالحين، ودأب أولياء الله المتقين، كما ذكر الله في كتابه المبين، حتى إن الله ﷾ لما أَراد أن يبيِّن عظيم منزلة قيام الليل، وأنه مفتاح كل خير للعبد، أول ما أمر الله به نبيه ﵊ في صبيحة الوحي بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل:١ - ٢]، وهذا يدل على أن قيام الليل فيه أمور عظيمة تكون سبباً في سعادة العبد في دنياه وآخرته.
لقد جعل الله ﷿ في قيام الليل سداد اللسان، وإذا استقام اللسان استقامت الجوارح والأركان، قال تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل:٦].
وجعل الله قيام الليل سبباً في هبات الآخرة، مع أنه سبب في صلاح دين العبد في دنياه، فإنه سبب في هبات الله ونعمه وخيره للعبد في الآخرة: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩]، فجعل الله المقام المحمود مقروناً بقيام الليل، وهذا يدل على عظيم ما في قيام الليل، حتى إن بعض العلماء يقول: عجبت من الليل كيف جعل الله ﷿ فيه هذه الخيرات العظيمة! حتى إن فرضية الصلاة والإلزام بها وتقديرها وبيانها الذي شرف الله به نبيه ﵊ جعل ذلك كله في الليل، فقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء:١]، وجعل الآيات العظيمة لنبيه ﵊ في ذلك الليل، فأُرِي ﵊ من الآيات ما امتلأ قلبه بها إيماناً وتوحيداً لله ﷻ، فالله أعلم حينما أصبح رسول الهدى بذلك الإيمان واليقين بعد أن أُرِي آيات الله العظيمة، وكل ذلك جعله الله ﷿ في الليل.
ومن ذلك قال العلماء: إن قيام الليل من أحب الأعمال إلى الله ﷾، ولما سُئل ﵊ عن أفضل الأعمال بعد الطاعات والمكتوبات قال: (وركعتان يركعهما العبد في جوف الليل الآخرة)، فهذا يدل على فضل قيام الليل.
لكن ما ورد في آية الذاريات من قوله: ﴿وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٨] ثناءٌ من الله ﷿ بذكر خاص بعد عام، والخاص هو الاستغفار؛ لأن قيام الليل يقوم على الذكر عموماً، ومن أشرفه وأفضله: كثرة تلاوة القرآن والتسبيح والتحميد والتمجيد والتوحيد لله ﷿ بالثناء عليه بأسمائه وصفاته ﷾، ومن ذلك: الاستغفار، فجعل الله ﷿ الاستغفار سبباً في الرحمة: ﴿وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٨]، فهذا الوقت استحب العلماء ﵏ فيه لمن أصابه أن يُكثر فيه من الاستغفار، وأن يسأل الله ﷿ فيه العفو والمغفرة؛ لأن الله ﷾ اختاره فينزِل الله فيه جل وعلا نزولاً يليق بجلاله وعظمته وكماله، ويبسط لعباده الخير والرحمة، ينزل نزولاً حقيقياً يليق بجلاله وكماله وعظمته، فيقول: (هل من داع فأستجيب له؟ هل من سائل فأعطيه سؤله؟ هل من مستغفر فأغفر له؟) عَلِم سبحانه شدة حاجة عباده وفاقتهم إليه؛ فجعل لهم هذا الوقت المبارك للرحمة والعفو والمغفرة، والله أعلم في تلك الساعة كم من رقاب عُتقت! وكم من ذنوب غُفرت! وكم من درجات رُفعت! وكم من فضائل ونوائل ورحمات أبوابها فُتِّحت! فقيام الليل باب من أبواب الرحمة، وعلى العبد أن يحرص على السحر والاستغفار فيه، ولذلك سهام الليل في الأسحار، فما من عبد يدعو دعوته في السحر ويلازم دعاء السحر إلا شرح الله صدره.
وقد كان العلماء ﵏ والأئمة يوصون أهل الذنوب والذين كانوا في بداية هدايتهم وصلاحهم بلزوم الأسحار بكثرة الدعاء والاستغفار فيها، وهكذا من تغير حاله فضاقت عليه الدنيا، وأصابه الكرب والهم والغم، فليلزم الأسحار؛ لأنها ساعات رحمة؛ لثبوت السنة والخبر بذلك عن رسول الله ﷺ، فيتعرض لنفحات الله ورحماته التي يرحم بها عباده.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يجعل لنا من ذلك أوفر حظ ونصيب.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.